صدر عن دار شمس للنشر والإعلام كتاب “حياتي 1942–2020” للدكتور حسن الزيدي، وهو عمل توثيقي وسيرة ذاتية ثرية تمتد لأكثر من ثمانية عقود، يروي فيها المؤلف تفاصيل حياته منذ ولادته عام 1942 وحتى عام 2020. إلا أن هذا الكتاب لا يقتصر على سرد محطات شخصية، بل يتحول إلى شهادة تاريخية وإنسانية لرجل عايش أبرز الأحداث التي مرت بالعراق خلال أكثر من نصف قرن، وهي أحداث غيّرت وجه البلاد إلى الأبد.

يصحبنا المؤلف في رحلة تبدأ من طفولته في محافظة ديالى، مرورًا بمراحل تعليمه وحياته الاجتماعية، ثم انتقاله إلى بغداد ودراسته في الاتحاد السوفيتي وفرنسا، قبل أن يتناول مسيرته المهنية والإدارية والدبلوماسية. وبين هذه المحطات، يرسم صورة حية للعراق منذ سقوط النظام الملكي عام 1958، وتعاقب الانقلابات العسكرية والسياسية، والحروب التي استنزفت البلاد، وصولًا إلى الاحتلال وما أعقبه من تحولات لا يزال العراق يعيش تداعياتها حتى اليوم.

ويتميز الكتاب بجرأة الطرح وصدق الرواية، إذ يقدم الدكتور حسن الزيدي مراجعة صريحة لتجربته السياسية داخل حزب البعث، وهي تجربة امتدت لعقود وشهد خلالها الاعتقال والسجن والتعذيب. ويبين كيف توصل في نهاية ثمانينيات القرن الماضي إلى قناعة بأن نظام صدام حسين أصبح نظامًا استبداديًا لا يمثل المبادئ التي آمن بها، وأنه اختطف الحزب وحوّله إلى أداة للقمع، وعمل على تصفية خيرة قياداته وكوادره، ولا سيما بعد أحداث عام 1979 التي شكلت نقطة تحول دامية، قبل أن يستمر مسلسل الدم حتى سقوط النظام عام 2003. ويعرض المؤلف هذه الرؤية بوصفها حصيلة تجربته الشخصية ومراجعته الفكرية والسياسية، بعيدًا عن لغة الكراهية أو الرغبة في تصفية الحسابات.

تعرفتُ إلى الدكتور حسن الزيدي عام 2014 خلال لقاء تلفزيوني عبر قناة فرنسا 24 العربية للحديث عن تطورات الوضع في العراق، ومنذ ذلك الحين استمرت علاقتنا حتى يومنا هذا. وخلال أكثر من عقد من الزمن لم أعرف فيه إلا الإنسان الوطني الصادق، الذي يضع العراق فوق كل اعتبار، ويدعو باستمرار إلى المصالحة الوطنية الحقيقية، وإلى الاعتراف بحقوق جميع ضحايا الاستبداد، ممن تعرضوا للقتل أو التهجير أو التغييب القسري أو التعذيب، بعيدًا عن أي تمييز أو انتقائية.

ووجدت فيه رجلًا يؤمن بأن مستقبل العراق لا يُبنى بالثأر ولا بالإقصاء، بل بالعدالة والإنصاف والمصارحة. وكان وما يزال من أوائل الداعين إلى ترسيخ مفهوم المواطنة، وإعلاء الولاء للعراق الواحد فوق كل الولاءات الحزبية أو الطائفية أو القومية أو العشائرية، إيمانًا منه بأن الدولة الحديثة لا تقوم إلا على أساس المساواة بين جميع مواطنيها وسيادة القانون.

ولم تكن رحلة الدكتور حسن الزيدي العلمية والمهنية أقل أهمية من رحلته السياسية والإنسانية، فقد بنى حياته بجهد شخصي كبير، وبالمثابرة والعصامية، متحديًا ظروفًا صعبة وتقلبات سياسية قاسية، حتى بلغ مراتب علمية وأكاديمية متقدمة، فنال شهادة الدكتوراه في العلوم التاريخية والسياسية من جامعة السوربون، كما تقلد عددًا من المناصب الإدارية والدبلوماسية الرفيعة، جامعًا بين الخبرة الأكاديمية والممارسة العملية، وهو ما انعكس بوضوح في كتاباته وتحليلاته السياسية التي اتسمت بالرصانة والموضوعية والقراءة العميقة للأحداث.

كما أن حضوره في أوساط الجالية العراقية في فرنسا يلفت الانتباه؛ فهو من أوائل المشاركين في مختلف الفعاليات الثقافية والوطنية والاجتماعية التي تنظمها الجالية العراقية أو السفارة العراقية، بمختلف أطيافها وتوجهاتها، انطلاقًا من قناعته بأن العراق يتسع لجميع أبنائه. وفي الوقت نفسه، لم تنقطع صلته بوطنه، إذ يواصل زيارة العراق باستمرار، ويحافظ على علاقات واسعة مع شخصيات وطنية من مختلف التوجهات السياسية والخلفيات الدينية والمذهبية والفكرية، فضلًا عن تواصله الدائم مع أبناء بلده عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إيمانًا منه بأن الحوار هو الطريق الأقصر لبناء مستقبل أفضل.

إن قيمة كتاب “حياتي 1942–2020” لا تكمن في كونه مذكرات رجل تجاوز الثمانين من عمره فحسب، بل في كونه وثيقة تاريخية وإنسانية تسجل مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ العراق، يرويها شاهد عاش تفاصيلها، وأسهم في بعض أحداثها، ثم امتلك شجاعة مراجعة تجربته ونقدها بصدق ومسؤولية.

وبعد الانتهاء من قراءة هذا الكتاب، لا يشعر القارئ أنه أغلق صفحات سيرة ذاتية، بل أنه أنهى رحلة طويلة في تاريخ العراق الحديث بكل ما حمله من آمال وانكسارات. إنها شهادة رجل عاش زمن التحولات الكبرى، ودفع أثمانًا شخصية وفكرية، ثم اختار أن يدوّن تجربته للأجيال، مؤمنًا بأن قراءة الماضي بصدق هي الخطوة الأولى نحو بناء المستقبل.

إن “حياتي 1942–2020” ليس مجرد كتاب عن حياة الدكتور حسن الزيدي، بل هو كتاب عن العراق.. عن وطنٍ أحبّه صاحبه رغم كل ما مرّ به، وظل يؤمن حتى اليوم بأن خلاصه لن يكون إلا بالمواطنة، والعدالة، والمصالحة، واحترام الإنسان، بعيدًا عن التعصب والكراهية، ليبقى هذا العمل إضافة مهمة للمكتبة العراقية، ومرجعًا لكل من يريد أن يقرأ تاريخ العراق الحديث بعين شاهدٍ عاشه، لا بعين من سمع عنه.