تحرص المسعفة الأوكرانية إينا ليتفينينكو، دائماً على ارتداء سترة الحماية البرتقالية الزاهية عندما تكون في مهمة طارئة.

وفي أحد أيام شهر يونيو/حزيران الماضي، وبينما كانت متوجهة إلى مدينة خيرسون لعلاج امرأة أصيبت في هجوم بطائرة مسيّرة روسية، اصطدمت طائرة مسيّرة من طراز "إف بي في" بسيارة الإسعاف التي كانت تستقلها.

وبعد ثوانٍ، سمعت صوت طنين في السماء، وإذا بها طائرة مسيّرة أخرى تتجه نحوها مباشرة وبسرعة كبيرة.

تتذكر ما حدث قائلة: "أصبت بالذعر. أمسكت بحقيبة الإسعافات الخاصة بي وبدأت أركض. كنت أصرخ وأستنجد، كنت أعرف أنني إذا توقفت فسأموت".

وبعد مطاردة استمرت نحو 10 دقائق، ابتعدت الطائرة المسيّرة أخيراً. وسرعان ما وصلت الشرطة إلى المكان ونقلتها إلى مكان آمن.

لكن ما وصفته بـ "صيد الغابات" أو "صيد السفاري" لم يتوقف. فقد استهدفت المسيّرات مركبتين إضافيتين وصلتا إلى المكان لنقل المرأة المصابة إلى المستشفى. وبعد ساعات، تمكنت سيارة شرطة ثالثة أخيراً من إخراجها من المنطقة.

وعقب هجوم آخر في وقت سابق من هذا الأسبوع، دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى زيادة الضغط على روسيا من أجل وقف ما وصفها بأنها هجمات "متعمدة لصيد المدنيين".

أوكرانيا تواجه "نقصاً حاداً" في أنظمة الدفاع الجوي، وروسيا تكثف هجماتها

وتتعرض المستشفيات وسيارات الإسعاف في أوكرانيا بصورة متزايدة لهجمات روسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم أن اتفاقيات جنيف، وهي القواعد الدولية المنظمة لقوانين الحرب، تنص على وجوب حماية المنشآت الطبية والعاملين في المجال الصحي من جميع أطراف النزاع.

ويقول الدكتور يارنو هابيخت، ممثل منظمة الصحة العالمية في أوكرانيا: "لقد أصبح هذا أمراً معتاداً، لكنه لا ينبغي أن يكون كذلك".

ومنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، سجلت منظمة الصحة العالمية 3118 هجوماً استهدف قطاع الرعاية الصحية. ويقول هابيخت: "هذا يعني وقوع هجومين يومياً".

أوكرانيا تضرب محطة نفطية رئيسية في مدينة سان بطرسبرغ الروسية

ومنذ عام 2023، ارتفع عدد الهجمات على قطاع الرعاية الصحية بصورة مطردة. وفي عام 2024، زاد العدد بنسبة 30 في المئة، قبل أن يسجل العام الماضي ارتفاعاً إضافياً بلغ 20 في المئة. ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه خلال العام الجاري.

وخلص تقرير حديث لمنظمة أطباء بلا حدود إلى أن القوات الروسية تستهدف المنشآت الطبية الأوكرانية بصورة منهجية، وفي كثير من الأحيان عن عمد. وقال التقرير إن وتيرة الهجمات على قطاع الرعاية الصحية تشير إلى أنها "سمة مستمرة للحرب، وليست نتيجة عرضية لهجمات عسكرية واسعة النطاق".

وفي الشهر الماضي، أصابت صواريخ روسية مستشفى في خيرسون، وهو ما ألحق أضراراً بالغة بالمبنى وأدى إلى مقتل طبيب.

وترى مديرة المستشفى أولينا تيموشينكو أن الهجوم كان متعمداً، وقالت لبي بي سي: "لم يكن صاروخاً واحداً فحسب، بل ثلاثة صواريخ أصابت المستشفى خلال دقائق قليلة. لا يمكن أن يكون ذلك مجرد حادث".

كما تستخدم موسكو في كثير من الأحيان تكتيكاً يُعرف باسم "الضربة المزدوجة"، عندما تستهدف الموقع نفسه مرتين خلال فترة زمنية قصيرة. ويعتقد كثيرون أن الهجوم الثاني يكون متعمداً لاستهداف فرق الإنقاذ والمسعفين الذين يصلون إلى مكان الضربة الأولى لإنقاذ الناجين.

وخلال هجوم جوي روسي واسع النطاق استهدف كييف مؤخراً، قُتل سبعة أشخاص، بينهم شرطي ومتطوع، بعدما تعرض الموقع نفسه لضربة ثانية.

وفي الآونة الأخيرة، بدأت القوات الروسية أيضاً في استهداف مستودعات المنظمات الإنسانية. وخلال الشهر الماضي وحده، تضررت مستودعات تابعة لثلاث وكالات تابعة للأمم المتحدة، من بينها منظمة الصحة العالمية، خلال غارات جوية. ويقول هابيخت إن المنظمة تتبادل إحداثيات منشآتها مع كل من موسكو وكييف تحديداً لحمايتها من الهجمات.

ورغم أن الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة قد تكون عشوائية في بعض الأحيان، إلا أن الهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة من طراز "إف بي في" تكون متعمدة في معظم الحالات.

ويستطيع مشغل الطائرة المسيّرة رؤية الهدف مباشرة عبر بث حي من كاميرا الطائرة، ولذلك فإن استهداف سيارة إسعاف يعني – بحسب روبن ميلدروم، منسق منظمة أطباء بلا حدود في أوكرانيا – أن الهجوم كان متعمداً.

وتقول الدكتورة إينا ليتفينينكو إنها كانت ترتدي زياً يوضح بجلاء أنها عاملة في المجال الطبي، كما كانت سيارة الإسعاف التي كانت تستقلها تحمل علامات واضحة تدل على طبيعة عملها. ولذلك تعتقد أن مشغل الطائرة المسيّرة اختار استهدافهما عن عمد.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، تمثل الهجمات على سيارات الإسعاف 20 في المئة من إجمالي الهجمات التي تستهدف قطاع الرعاية الصحية في أوكرانيا، وهو ما يشير إلى أنها قد تكون جزءاً من استراتيجية ممنهجة.

وأدت هذه الهجمات المستمرة إلى تزايد عزلة السكان المدنيين القاطنين بالقرب من خطوط المواجهة عن خدمات الرعاية الصحية.

ويشكل كبار السن غالبية من بقوا في هذه المناطق، وكثير منهم يعانون أمراضاً مزمنة. وحتى إذا نجوا من الغارات الجوية والقصف، فإن عدم حصولهم على الأدوية والفحوصات الطبية الدورية يعرضهم لخطر الموت البطيء.

كما قد تصبح سيارات الإسعاف عاجزة عن الوصول إليهم إذا كانت المخاطر الأمنية مرتفعة للغاية.

وتراقب الدكتورة ليتفينينكو وزملاؤها باستمرار وسائل التواصل الاجتماعي لرصد أي تهديدات محتملة.

وتقول: "الأمر مخيف للغاية. في كل مرة ننقل فيها مريضاً إلى المستشفى، لا نملك سوى الدعاء. يمكن لهذه الطائرات المسيّرة أن تظهر من أي مكان، بل إنها تستطيع حتى اختراق شبكات مكافحة المسيّرات".

وفي بعض الحالات، يتم إرسال دوريات الشرطة بدلاً من سيارات الإسعاف.

ومع اتساع نطاق المنطقة الخطرة التي تعمل فيها طائرات "إف بي في" المسيّرة، بالتزامن مع تطوير كل من أوكرانيا وروسيا طائرات مسيّرة ذات مدى متزايد، اضطرت العيادات المتنقلة التي تديرها منظمات صحية مختلفة إلى نقل عملياتها لمسافات أبعد فأبعد عن خطوط المواجهة.

ويقول ميلدروم: "قبل عامين، كان بإمكاننا الوصول إلى مسافة تتراوح بين 5 و8 كيلومترات من خط المواجهة. أما الآن، فلا نذهب إلى أي مكان يقع ضمن مسافة 30 كيلومتراً، وهذه المسافة تواصل الازدياد".

وخلال الأشهر الـ 18 الماضية، أوقفت منظمة أطباء بلا حدود زياراتها المنتظمة لنحو 80 قرية بالقرب من خطوط المواجهة، حيث كانت تقدم خدمات الرعاية الصحية، وفقاً لميلدروم. كما علقت المنظمة مؤخراً خدمات سيارات الإسعاف في مدينة سلوفيانسك، إحدى المدن الرئيسية في شرق أوكرانيا.

يقول ميلدروم: "لا نشعر بأننا محميون في هذه البيئة، ولا في ظل الطريقة التي تدير بها روسيا الحرب".

ويضيف: "لا نشعر بأن قواعد الحرب تحظى بالاحترام".

لماذا تسعى روسيا بشدة للسيطرة على "حزام الحصون" الأوكراني؟ – الإندبندنت

زيلينسكي يدعو بوتين إلى لقاء مباشر، والكرملين يرحب باجتماع في موسكو "في أي وقت"

جنود روس لبي بي سي: "شاهدنا إعدام زملائنا بأوامر من قادتنا"