الجمعة، 7 أغسطس 2026

اتسعت التحقيقات والتحركات القضائية في القضية المعروفة باسم "سياحة القنص" أو "رحلات الصيد في سراييفو" لتشمل خمس دول أوروبية هي إيطاليا والنمسا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا.

وعادت القضية إلى الواجهة إثر تقارير وشهادات عن أجانب يُعتقد أنهم قدِموا إلى المدينة أثناء حصارها ودفعوا المال مقابل إطلاق النار على المدنيين وقتلِهم.

ولا تزال هذه المزاعم موضع تحقيق ولم تثبت قضائياً حتى الآن.

ومنذ انتهاء حرب البوسنة والهرسك (1992-1995) وحصار سراييفو (1992-1996)، تواصلت الجهود لكشف الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب ومحاسبة المسؤولين عنها. وحاكمت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، التي أنشأها مجلس الأمن الدولي، عدداً من المسؤولين عن جرائم ارتُكبت خلال النزاع.

ومن بين من مثُلوا أمام المحكمة الرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش، الذي توفي في لاهاي عام 2006 أثناء محاكمته وقبل صدور حكم بحقه.

"سياحة القنص" في سراييفو: وثائق جديدة عن "تنافس لقتل النساء"

لكن السنوات الأخيرة أعادت إلى الواجهة مزاعم تتعلق بجرائم أخرى ضد المدنيين، من بينها أن أجانب دفعوا مبالغ مالية للمشاركة في عمليات القنص، وأن مبالغ أكبر كانت تُدفع لاستهداف النساء والأطفال، بمن فيهم نساء حوامل.

وعادت هذه المزاعم إلى دائرة الاهتمام عام 2022 مع عرض الفيلم الوثائقي "سفاري سراييفو" للمخرج السلوفيني ميران زوبانيتش.

وأعقب ذلك تحقيقات صحافية، من بينها تحقيق للصحافي الإيطالي إزيو غافازيني، الذي تقدّم بشكوى إلى القضاء الإيطالي، ونشر في مارس/آذار 2026 كتابه "قناصو عطلة نهاية الأسبوع". كما قدّم الصحافي الكرواتي دوماغوج مارغيتيش في أبريل/نيسان 2026 كتابه "ادفع وأطلق النار"، الذي يتضمن مزيداً من الوثائق والشهادات المتعلقة بهذه المزاعم.

فما هي آخر تطورات هذه القضية وأين أصبحت التحقيقات القضائية؟

تحولت مواقع ارتبطت بحصار سراييفو إلى محطات رئيسية لزوار المدينة، تستعيد أحداث الحرب وما عاشه سكانها خلالها. ومن بينها شارع رئيسي عُرف باسم "شارع القناصة" بسبب تعرّض المارّة فيه لنيران القناصة، ونفق سراييفو الذي حُفِر تحت مدرج المطار لربط المدينة المحاصرة بالعالم الخارجي ونقل الإمدادات، إضافة إلى متحف طفولة الحرب.

افتُتح متحف طفولة الحرب في سراييفو عام 2017، ويوثّق تجارب الأطفال الذين عاشوا الحرب من خلال مقتنياتهم وشهاداتهم الشخصية.

وتفيد الروايات التي تستند إليها التحقيقات بأن أجانب أثرياء سافروا إلى البوسنة خلال الحرب، ودفعوا المال مقابل الوصول إلى مواقع تابعة لقوات صرب البوسنة المطلة على سراييفو، والسماح لهم بإطلاق النار على المدنيين. وتقول بعض هذه الروايات إن مبالغ أكبر كانت تُدفع لاستهداف الأطفال والنساء الحوامل، وإن بعض المشاركين تنافسوا في استهداف النساء.

وفي تقرير نشرته التايمز البريطانية مؤخراً، تحدثت الصحيفة إلى عدد من الشهود بشأن هذه المزاعم.

وقال ألكسندر ليتشانين، 63 عاماً، للصحيفة إنه شاهد عام 1993 أو 1994 أجانب يرتدون ملابس أنيقة يتخذون مواقع في المقبرة اليهودية القديمة، وذلك أثناء تطوعه في وحدة دبابات تابعة لقوات صرب البوسنة. وأضاف أنه شهد أيضاً احتفالات كانت تقام بعد انتهاء ما وصفه بـ"الصيد"، قال إن المشاركين فيها كانوا يأكلون ويشربون حتى ساعات الصباح الأولى.

وفي التقرير نفسه، قال زلاتكو ميليتيتش، الذي كان يقود وحدة في شرطة سراييفو خلال الحرب، إن معلومات بدأت تصل عام 1993 عن أجانب من دول في أوروبا الغربية يأتون إلى مناطق خاضعة لسيطرة قوات صرب البوسنة ويشاركون في إطلاق النار.

كما التقت التايمز إدين سوباسيتش، وهو ضابط سابق في الاستخبارات البوسنية، الذي قال إنه شارك أواخر عام 1993 في استجواب متطوع صربي في العشرينيات من عمره، جنّده الحزب الراديكالي الصربي الذي كان يتزعمه فويسلاف شيشيلي.

وبحسب سوباسيتش، قال المتطوع إنه سافر في حافلة صغيرة مع متطوعين آخرين، وفوجئ بوجود ثلاثة إيطاليين وأجنبيين آخرين معهم. وأضاف أن أحد أفراد المجموعة سأل الإيطاليين عن المبلغ الذي يتقاضونه مقابل القتال، فجاء الرد: "لا أحد يدفع لنا. نحن من ندفع لنكون هنا"، بحسب ما نقلته التايمز.

التحقيقات تتوسع في أوروبا

باشرت السلطات الإيطالية التحقيق في القضية أواخر عام 2025، بعد أن تقدّم الصحافي والكاتب إزيو غافازيني بشكوى إلى الادعاء العام في ميلانو، استناداً إلى معلومات وشهادات جمعها خلال بحثه. ويقول غافازيني إن اهتمامه بالقضية تعمّق بعد مشاهدته الفيلم الوثائقي "سفاري سراييفو" عام 2022.

وفي كتابه "قناصو عطلة نهاية الأسبوع"، يقدّر غافازيني عدد المشاركين في ما يسميه "رحلات السفاري البشرية" بما بين 400 و500 شخص، معظمهم من الإيطاليين. كما ينقل عن أحد مصادره تقديراً بأن نحو 230 إيطالياً شاركوا في تلك الرحلات، إلى جانب أشخاص من دول أخرى. وهذه الأرقام تستند إلى شهادات جمعها غافازيني، وليست أرقاماً أثبتها التحقيق القضائي.

وتفيد الروايات التي جمعها بأن المشاركين دفعوا مبالغ مالية إلى جهات مرتبطة بقوات صرب البوسنة مقابل الوصول إلى مواقع القنص وإطلاق النار على المدنيين. وتتحدث بعض الشهادات عن اختلاف المبالغ بحسب الهدف، مع دفع مبالغ أكبر لاستهداف الأطفال. ولا تزال هذه الادعاءات موضع تحقيق ولم تثبت قضائياً.

واتسع الملف لاحقاً ليشمل تحقيقات وتحركات قضائية في دول أوروبية أخرى. وذكرت صحيفة التايمز أن السلطات المعنية بالقضية في أوروبا تشمل إيطاليا والنمسا وفرنسا وسويسرا وبلجيكا، وإنْ كانت الإجراءات في مراحل مختلفة من دولة إلى أخرى.

وفي إيطاليا، وضع الادعاء العام في ميلانو خمسة أشخاص قيد التحقيق. ونقلت وكالة رويترز في 18 يونيو/حزيران عن مصدر مطلع مباشرةً على القضية قوله إن الأدلة التي جُمعت حتى ذلك الوقت كانت في معظمها ظرفية (غير مباشرة)، ولم تكن كافية لطلب إحالة أي من المشتبه بهم إلى المحاكمة.

وفي إطار التحقيق، فتشت الشرطة منزل أحد المشتبه بهم، وهو موظف بلدي سابق من منطقة جنوة، بعد إفادة شريكته السابقة بأنه كان يعاني كوابيس مرتبطة بما يُزعم أنه فعله في البوسنة قبل نحو ثلاثة عقود. وصادرت الشرطة كاتم صوت وصورة لبندقية دقيقة التصويب. وكان الرجل قد خضع للاستجواب في وقت سابق واستخدم حقه في عدم الإجابة.

أما المشتبه به الإيطالي البالغ من العمر 80 عاماً، فهو شخص آخر، وكان أول من حُددت هويته رسمياً في التحقيق. وهو سائق شاحنة متقاعد من شمال شرقي إيطاليا، ونفى خلال استجوابه الاتهامات الموجهة إليه، كما نفى أن يكون قد ذهب إلى سراييفو.

وفي النمسا، فتح الادعاء العام في كريمس، غرب فيينا، تحقيقاً في أبريل/نيسان بشأن مواطن نمساوي وشخص آخر لم تحدّد هويته، للاشتباه في صلتهما بهذه الرحلات.

"أسطورة حضرية"؟

في المقابل، يشكك بعض من عايشوا الحرب في حجم الظاهرة، أو في وجود شبكة منظمة بالنطاق الذي تصفه بعض الروايات. وقال عسكريون بريطانيون سابقون خدموا في سراييفو لبي بي سي إنهم لم يسمعوا آنذاك بما يسمى "سياحة القنص"، وإن نقل أشخاص من دول أخرى إلى مواقع القتال كان سيواجه صعوبات لوجستية بسبب كثرة نقاط التفتيش. ووصف أحدهم الرواية بأنها "أسطورة حضرية".

كما نقل تحقيق نشرته "بلقان إنسايت" في 9 يوليو/تموز عن دوغلاس أتش وايز، وهو ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عمل في سراييفو خلال الحرب، قوله إنه لم يسمع عن أجانب يدفعون المال مقابل إطلاق النار على المدينة، وإن الوثائق التي رفعت الوكالة السرّية عنها لا تتضمن، بحسب قوله، إشارات إلى أمر مماثل.

وأشار التحقيق نفسه إلى تناقضات بين عدد من الشهادات، وإلى غياب أدلة مادية يمكن التحقق منها بصورة مستقلة تثبت وجود شبكة منظمة بالحجم الذي تصفه بعض الروايات.

ونقلت التايمز عن المصور البريطاني غاري نايت، الذي غطى الحرب منذ عام 1993، تشكيكه في فكرة دفع مبالغ كبيرة للمشاركة في إطلاق النار، قائلاً إن من أراد القتال إلى جانب القوات الصربية كان يستطيع التطوع والتوجه إلى الجبهة من دون مقابل.

ومع ذلك، لم تؤدِ هذه الشكوك إلى إغلاق الملف. ففي نهاية يونيو/حزيران، اجتمع ممثلون عن ست دول في مقر وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية "يوروجست" في لاهاي لتبادل ما توصلوا إليه من معلومات، وكان من بينهم ممثل عن البوسنة والهرسك، حيث يَجري أيضاً تحقيقٌ في القضية.

وهكذا تبقى القضية، بعد أكثر من ثلاثة عقود على حصار سراييفو، معلّقة بين شهادات تتحدث عن "رحلات صيد بشرية" وتحقيقات لم تصل بعد إلى أدلة حاسمة حول حدوث تلك الرحلات ومن شارك فيها.

البوسنة ترتعد خوفا مع إطلالة أشباح الماضي

حكم بات بالسجن مدى الحياة للزعيم الصربي ملاديتش لدوره في مذبحة سربرنيتسا

مجزرة سربرنيتسا: ماذا حدث خلال أسوأ إبادة في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية؟