تجسد التحركات الأخيرة بوضوح التعقيد المحيط بملف القرار الأمني وسيادة الدولة في العراق. ففي حين تؤكد لجنة الأمن والدفاع النيابية قدرة الحكومة على بسط نفوذها وحصر السلاح بيدها، وإيقاف تهديدات الفصائل لدول الجوار، يرى مراقبون أن التريث في رد الفصائل المسلحة بناء على نداء رئيس منظمة بدر هادي العامري يبرز استمرار التنافس بين مؤسسات الدولة الدستورية والقوى السياسية المتنفذة.

فهل تنجح الدولة العراقية في ترسيخ احتكارها لقرار السلم والحرب، أم سيبقى النفوذ السياسي والعقائدي حاضراً في رسم معادلة الأمن الداخلي والخارجي؟

الضغط الحكومي

ويقول عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية ياسر أسكندر وتوت، إن “الحكومة العراقية تمتلك القدرة على بسط قرارها على الجميع بغض النظر عن العناوين الأخرى، واستجابة الفصائل لعدم الرد لا يمكن اعتبارها استجابة لهادي العامري بدلاً من الحكومة، وإنما جاءت نتيجة الضغط والتأكيد على أن الحكومة سيكون لها موقف، وحصر السلاح بيد الدولة قرار حكومي لا يرتبط بأسماء أو شخصيات سياسية”.

ويؤكد، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الأحد (9 آب أغسطس 2026)، إن “الحكومة العراقية لديها القدرة والقابلية على بسط قرارها وكلامها على الجميع، بغض النظر عن العناوين الأخرى، وعندما قررت الحكومة أن يكون العراق ليس ساحة للصدام أو الصراع، وإنما ساحة للتعاون الإقليمي، لا نستطيع القول إن الفصائل استجابت للسيد هادي العامري بدلاً من الحكومة، وإنما استجابت لعملية الضغط والتأكيد على أن الحكومة العراقية سيكون لها موقف، لذا الحكومة هي التي كان لديها القرار النهائي بأن تعلن ما هو المطلوب من الدولة العراقية بعد ما جرى من اعتداء من المملكة السعودية”.

سلاح الدولة فقط

وبشأن حصر السلاح بيد الدولة، يرى وتوت أن “قرار تسليم السلاح بيد الدولة ليس قراراً بيد أسماء معينة، سواء كانوا سياسيين أو شخصيات أخرى، وقرار حصر السلاح بيد الدولة هو قرار حكومي نابع من الدولة العراقية ورؤيتها وسياستها في بسط الأمن والاستقرار والنفوذ، وبالتالي فإن سياسة العراق الآن هي سياسة السيطرة والنفوذ والقرار، وعلى الجميع أن يخضع لقرارات الحكومة، باعتبار أن الحكومة العراقية والقائد العام للقوات المسلحة أدرى وأعرف بمصلحة الوطن ومصلحة المجتمع”.

وعن آلية التعامل مع ملف السلاح، يشير إلى أن “موضوع حصر السلاح بيد الدولة لا يحتاج فقط إلى تصعيد في الخطابات، وإنما يحتاج إلى تواصل وتفاهمات وتنسيق في طريقة تسليم السلاح، بما لا يخلق حالة من التشنج أو الصدام”.

ويؤكد عضو لجنة الأمن والدفاع، أن “المهم الآن هو الاستقرار في العراق، والمهم أن تكون الدولة العراقية قادرة على تحمل مسؤوليتها، وبالتالي ليس المهم أن يكون هناك صدام مع أي طرف، والدولة العراقية والقيادة العامة للقوات المسلحة لديهما رؤية وطرقهما الخاصة في التعامل مع الملف، بما يراعي مصلحة الوطن ومصالحه وسيادته وفق القانون والدستور”.

نداء هادي العامري

وبدأت ملامح التراجع عن الرد العسكري المباشر بعد الهجمات الأمريكية السعودية الأخيرة، عندما وجه رئيس منظمة بدر هادي العامري، فجر الجمعة (7 آب اغسطس)، نداء إلى فصائل “المقاومة الإسلامية” في العراق، دعاها فيه إلى تأجيل أي ردة فعل ضد ما وصفه بالعدوان الأمريكي السعودي الذي استهدف البلاد.

وجاءت دعوة العامري بعد ليلة متوترة شهدتها بغداد ومحافظات أخرى، وسط استنفار أمني عالي المستوى وانتشار تعزيزات عسكرية مكثفة في العاصمة تحسباً لأي تطورات طارئة.

وبرر العامري دعوته بضرورة تغليب مصلحة العراق العليا، مؤكداً الالتزام بمتابعة حقوق الشهداء والجرحى عبر الطرق الدبلوماسية وصولاً إلى تحقيق المطالب، في محاولة لنقل التعامل مع تداعيات الهجمات من مسار الرد العسكري إلى المسار السياسي والدبلوماسي.

وتزامن ذلك مع تحرك حكومي سريع، إذ وجه رئيس الوزراء علي الزيدي برفع مستوى الجاهزية والاستعداد القتالي، وتواجد القادة والآمرين في قيادة عمليات بغداد لضمان سرعة ودقة وانضباط تنفيذ المهام والواجبات.

استجابة وتأجيل وتريث

وفي اليوم التالي، أمس السبت، أعلن الأمين العام لكتائب سيد الشهداء أبو الاء الولائي موقفاً من دعوة العامري، مؤكداً التريث في الرد على الهجمات الأمريكية السعودية استجابة لطلب قادة الإطار التنسيقي وهادي العامري، إلى جانب بعض السياسيين المستقلين.

لكن موقف الولائي لم يتضمن إغلاق ملف الرد نهائياً، إذ أكد أن “خيار الرد لا يزال قائماً”، وأن إعادة النظر في توقيته وحجمه ونوعه تبقى مطروحة، داعياً المعنيين إلى استثمار المهلة لاستعادة حقوق العراق.

وكانت “المقاومة الإسلامية” في العراق قد أعلنت الجمعة (7 آب أغسطس) تأجيل الرد الذي كان مقرراً تنفيذه في الثالث والعشرين من شهر صفر ضد السعودية والقواعد الأمريكية، استجابة لنداء العامري وتجاوباً مع مواقف عدد من القادة السياسيين.

وبذلك، انتقل موقف الفصائل من تحديد موعد للرد إلى تأجيل تنفيذه، من دون إسقاطه نهائياً، فيما جاء الإعلان عن التريث منسوباً إلى الاستجابة لطلب العامري وقادة في الإطار التنسيقي وبعض السياسيين، وليس باعتباره استجابة معلنة لموقف الحكومة العراقية.

مسار الفصائل

من جهته، يقول المحلل السياسي رمضان البدران، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الأحد، إن “التهديدات التي أعلنتها الفصائل رداً على ما تعرضت له مقرات الحشد، التي يوجد أو يتمركز في داخلها بعض أعضاء هذه الفصائل، كانت متوقعة، وكذلك عدم انصياعها أو التزامها بما ذكرته القيادة العامة للقوات المسلحة بشأن أن يكون الرد على ما جرى محصوراً بالمؤسسات الدستورية”.

ويضيف، أن “الفصائل لا تؤمن بأن المؤسسات الدستورية العراقية تمثل رؤيتها في كيفية الدفاع والرد بالشكل الذي تريده، ولذلك كان من الطبيعي، أن يكون رد فعلها مختلفاً عن هذه السياقات، ما أوجد رأيين متوازيين في كيفية التعاطي مع ما حصل، الأول تمثله الفصائل، والثاني تمثله الحكومة بصفتها الدستورية”.

كلمة العامري

ويوضح البدران، أن “هادي العامري يظهر في هذا المشهد باعتباره الجناح الأقرب إلى الفصائل والأكثر تأثيراً فيها لسببين، أولهما أنه عضو في الإطار التنسيقي القريب من هذه الفصائل، وثانيهما أنه يعد من قيادات فصائل المقاومة، وهو ما يمنحه كلمة وتأثيراً في عمل الفصائل”.

ويشير إلى أن “العامري أعلن موقفه واستجابت الفصائل له، وهذا المشهد يكشف مقدار الصراع الطويل في العراق بين نموذجين، الأول يتمثل بدولة المؤسسات الدستورية والقانونية والرسمية، والثاني يتمثل بقوى سياسية تندرج تحتها الكتل السياسية، ومنها العامري، فضلاً عن الامتدادات العقائدية المتنفذة في فصائل المقاومة”.

ويعتقد البدران، أن “ما يجري يعكس استمرار الصراع في العراق بين هذين النموذجين في إدارة القرار داخل البلاد”.

الدبلوماسية “غير مجدية”

وبالتزامن مع إعلان التريث، اتخذ الأمين العام لحركة النجباء الشيخ أكرم الكعبي موقفاً أكثر تشدداً، ففي بيان مؤرخ بتاريخ أمس السبت، واطلعت عليه “العالم الجديد”، اعتبر أن خيار الدبلوماسية مع السعودية “غير مجد”، متهماً الرياض بالوقوف خلف ما وصفه بالمؤامرات التي استهدفت العراق وشعبه.

ورأى الكعبي أن السعودية قدمت ما وصفه بمئات آلاف “المفخخات” التي قال إنها أرسلت لقتل الأبرياء والنساء والأطفال، كما اتهمها بخوض حرب إلى جانب “الصهاينة وأعداء الإسلام” ضد اليمن.

وانتقد الكعبي خيار التعويضات عن ضحايا الحشد الشعبي، متسائلاً عن إمكانية أن تعوض الأموال دماء القتلى، ومؤكداً أن أموال الدنيا لا تساوي “قطرة دم واحدة من دماء شهداء العراق”.

وانتهى موقفه إلى التأكيد على أن ما وصفه بـ”الصواريخ لا ترد إلا بالصواريخ، والنار لا تقابل إلا بالنار”، معتبراً أن الرد العسكري المناسب هو السبيل لتحقيق الوفاء لدماء ضحايا الحشد الشعبي.

وهكذا، لم يؤد نداء العامري إلى إنهاء فكرة الرد بقدر ما نجح في تأجيلها. فالولائي أعلن الاستجابة والتريث، لكنه أبقى خيار الرد قائماً، فيما ذهب الكعبي إلى التشديد على عدم جدوى الدبلوماسية والتمسك بالرد العسكري.

ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه الحكومة العراقية أن التعامل مع الاعتداءات وقرار الحرب والسلم يجب أن يمر عبر مؤسسات الدولة، بينما تكشف بيانات الفصائل أن قرار التريث جرى ربطه علناً بنداء العامري وقادة الإطار وشخصيات سياسية.