لم يعد مشهد الحيوانات المفترسة داخل المنازل والمزارع الخاصة في العراق يثير الدهشة بقدر ما أصبح يثير الخوف والغضب. وبينما يعتبرها أصحابها وسيلة للتفاخر وإبراز المكانة الاجتماعية، ينظر إليها الأهالي باعتبارها مصادر خطر قائمة. ولا تزال حادثة افتراس أسد لصاحبه في قضاء الكوفة بمحافظة النجف، في مايو/أيار 2025، حاضرة في أذهان الكثير من العراقيين دليلاً على أنّ الحيوانات المفترسة لا يمكن ترويضها بالكامل. وجاءت حادثة هروب أسدين من مزرعة خاصة في منطقة التاجي، شمالي بغداد، في 16 يوليو/تموز الماضي، قبل إعلان السيطرة عليهما بعد أكثر من 24 ساعة، لتعيد الملف إلى الواجهة بقوة، فقد عاش سكان المنطقة المحيطة حالة من القلق والترقب، وفرضت العائلات قيوداً على حركة أطفالها خشية وقوع أي هجوم. وقال رحيم الجنابي، من منطقة التاجي، لـ"العربي الجديد"، إن "الساعات التي أعقبت هروب الأسدين كانت من أصعب ما عاشته المنطقة خلال السنوات الأخيرة. لم يكن أحد يعرف أين يمكن أن يظهر الأسدان، لذلك سيطر الخوف على الجميع، ومنعت العائلات الأطفال من اللعب خارج المنازل، وتجنبت النساء الخروج إلا للضرورة القصوى. كنا نشعر بالخطر في ساعات النهار". وأضاف الجنابي: "ظل الأهالي لساعات يتابعون الأخبار بانتظار إعلان السيطرة على الأسدين، وحالة القلق لم تكن مبالغاً فيها، لأن الجميع يدرك أن أي خطأ بسيط قد يؤدي إلى كارثة قاتلة. لا نعيش في محمية طبيعية حتى تتجول الأسود بين بيوتنا. هذه الحيوانات مكانها حدائق الحيوان أو المراكز المتخصصة، وليس بالقرب من المناطق السكنية أو وسط القرى". وأكد أن "الحادثة زادت من غضب الأهالي تجاه انتشار تربية الحيوانات المفترسة، فسلامة المواطنين يجب أن تكون فوق أي رغبة شخصية في التباهي باقتناء تلك الحيوانات. إنهم يتفاخرون باقتناء حيوان مفترس ظناً منهم أن ذلك يمنحهم الهيبة والسمعة". في 17 يوليو الماضي، وجهت وزارة البيئة العراقية إنذاراً إلى جميع من يمتلكون حيوانات مفترسة أو مهددة بالانقراض مما يحظر القانون حيازتها أو الاتجار بها، داعية إلى تسليمها خلال مهلة لمدة عشرة أيام، مؤكدة أنها ستتخذ إجراءات قانونية تشمل المصادرة والإحالة على القضاء بحق المخالفين بعد انتهاء المهلة، مع إعفاء من يبادر إلى التسليم الطوعي من الملاحقة القضائية، استناداً إلى قانون حماية البيئة الصادر في سنة 2009.

ولا تقتصر المخاوف على حوادث هروب الحيوانات المفترسة الأخيرة، فوقائع مشابهة قديمة لا تزال حاضرة في عقول كثير من العراقيين. من جانب الكرخ في العاصمة بغداد، تقول فيحاء عامر (52 سنة)، إن خبر هروب أسد من أحد المنازل القريبة من منزلها قبل أكثر من عامين، كان كافياً لإدخال الرعب إلى نفوس جميع سكان المنطقة. وتوضح عامر لـ"العربي الجديد": "ما إن انتشر الخبر حتى بدأ الناس يتبادلون التحذيرات عبر الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت الشوارع شبه خالية، لأن أحداً لم يكن يعرف المكان الذي يختبئ فيه الأسد. شخصياً فضلت البقاء داخل منزلي، وفرضت على أفراد عائلتي عدم مغادرة المنزل إلا بعد إعلان القبض على الحيوان المفترس. لم أكن أشعر بالأمان طوال فترة هروبه لأن مجرد التفكير في وجود أسد بين المنازل أمر مرعب. لا أستطيع تخيل كيف يمكن لعائلة أن تربي حيواناً مفترساً في منزلها، وفي منطقة تضم المئات من الأطفال وكبار السن".

مخاطر اقتناء الحيوانات المفترسة في ليبيا

ويرى عراقيون أن المشكلة لا تتعلق بتكرار تلك الحوادث، بل بانتشار ثقافة اقتناء الحيوانات المفترسة داخل الأحياء السكنية، رغم ما تسببه من تهديد لأفراد المجتمع. يقول موسى الصالحي (58 سنة)، لـ"العربي الجديد"، إن "انتشار هذه الحالة أصبح مصدر قلق حقيقي للكثير من الأسر. لدينا أطفال يخرجون للعب في الشارع يومياً، ولا يمكن أن نطمئن إذا كنا نعلم أن هناك من يحتفظ بحيوان مفترس داخل منزله. لكل هواية أصول، وعلى من يهوى تربية الأسود والنمور أن يجهز محمية خاصة بعيدة عن المناطق السكنية، وخاضعة للرقابة الرسمية. هؤلاء الذين يربون حيوانات مفترسة في منازلهم أشخاص لا يعنيهم سوى التباهي". وتتفق معه الطالبة الجامعية سارة الحسني، وترى أن "امتلاك الحيوانات المفترسة لا يعكس التميز أو القوة كما يعتقد البعض، بل يعرض المجتمع كله للخطر. هذه الحيوانات لا يمكن التنبؤ بسلوكها، وأي لحظة غضب منها قد تنتهي بخسائر في الأرواح. الكثير ممن يقتنون هذه الحيوانات يفعلون ذلك بدافع التفاخر أمام الآخرين، أو نشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، من دون التفكير في العواقب التي قد يتحملها الأبرياء". بدوره، يؤكد ياسين العقيلي (47 سنة) أنّ "الأمر تجاوز حدود الهواية، وأصبح تهديداً مباشراً للسلم المجتمعي. ليس من المنطقي أن يخشى الناس التعرض لهجوم من حيوان مفترس يعيش في منزل مجاور أو مزرعة قريبة. نحن نفكر أولاً في سلامة الأطفال، واستمرار هذا الأمر يعني استمرار الخوف، والإجراءات الحكومية الأخيرة الخاصة بتسليم تلك الحيوانات تمثل خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى رقابة صارمة، ومتابعة مستمرة لمنع عودة تجارة الحيوانات المفترسة، ومنع انتشارها في المنازل والمزارع من جديد".