عاد ملف رواتب ذوي الشهداء والتعويضات في محافظة الأنبار إلى واجهة الأحداث مجدداً، بعد سلسلة قرارات متضاربة بين مجلس المحافظة ورئاسة مؤسسة الشهداء في بغداد، لتتجدد معاناة آلاف العائلات التي تنتظر إطلاق رواتبها أو إنجاز معاملاتها، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات بوجود فساد وتزوير استنزف المال العام وأربك عمل المؤسسة.

وتحوّل الملف خلال الأشهر الأخيرة من قضية خدمية وإنسانية إلى أزمة إدارية وقانونية، بعد أن صوّت مجلس محافظة الأنبار بالإجماع على إعفاء مدير مؤسسة الشهداء في المحافظة رهيب الهايس استناداً إلى توصيات لجنة الشهداء والجرحى، في خطوة أثارت اهتماماً واسعاً داخل المحافظة.

لكن الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ تشير مصادر متداولة في المحافظة إلى أن رئيس مؤسسة الشهداء في بغداد عبد الإله النائلي، أعاد المدير إلى منصبه، الأمر الذي فتح الباب أمام جدل واسع بشأن حدود صلاحيات مجلس المحافظة، وصلاحيات رئاسة المؤسسة الاتحادية، وانعكاس ذلك على سير العمل داخل المؤسسة.

أسباب غير منطقية

ويقول النائب عن محافظة الأنبار بشار عامج، إنه “لا يجوز إيقاف صرف رواتب الشهداء والجرحى لأسباب غير منطقية”.

ويضيف، خلال حديثه لـ”العالم الجديد” اليوم السبت (8 آب أغسطس 2026)، أنه “قد تكون هناك معاملات غير قانونية، ولكن لا يمكن إيقاف صرف رواتب الآلاف بجريرة عدد قليل من المتجاوزين على القانون، والذين يمكن معالجة وضعهم”.

ويردف، أن “نواب الأنبار والمحافظات المحررة طالبوا في أكثر من مناسبة بإطلاق الرواتب مجدداً، وأيضاً صرف المبالغ التعويضية، وسنصر على تضمين موازنة 2027، فقرات خاصة بالتعويضات، وصرف المبالغ، أما إذا كانت هناك تجاوزات أو تزوير، فهي حالات فردية”.

فشل متراكم لحل الأزمة

بدوره، يقول عضو مجلس محافظة الأنبار عدنان الكبيسي، إن “هذا الملف هو واحد من أهم المواضيع التي تضرر منها المواطن الأنباري، نتيجة فشل متراكم من مؤسسة الشهداء في بغداد، بحل هذه الأزمة”.

ويضيف، خلال حديثه لـ”العالم الجديد” اليوم السبت، أنه “بالرغم من مرور 10 سنوات على تحرير مدن المحافظة من سيطرة تنظيم داعش، والدمار الكبير الذي لحق بمدن المحافظة، وتضررت الآلاف من المنازل، ومقتل وإصابة الآلاف من المواطنين، لكن هذا الملف لم يحل حتى الآن”.

ويتابع، أنه “إذا كان هناك معاملات تم إنجازها بطريقة غير قانونية، فهذا لا يعني إيقاف كامل للآلاف من المتضررين، وإيقاف ترويج المعاملات، ولهذا تقدمنا بعدة طلبات للحكومة الاتحادية، لحل هذا الملف”.

رئيس مؤسسة الشهداء عبد الإله النائلي أكد خلال اجتماع سابق في هيئة الرأي أن المؤسسة كشفت آلاف القرارات المزورة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، وأن عمليات التدقيق ستستمر لحماية المال العام وضمان وصول الحقوق إلى مستحقيها الحقيقيين، مشيداً بعمل اللجان المختصة التي تولت مراجعة الملفات المشكوك بصحتها.

وأعلن مجلس القضاء الأعلى، في وقت سابق، صدور حكم بالسجن عشر سنوات بحق مدير شعبة الأمن والمعلومات في مؤسسة الشهداء بالأنبار، بعد إدانته بقضايا رشوة، تضمنت بيع بيانات الدخول الخاصة بهيئة التقاعد، وإيقاف وإطلاق رواتب بعض ذوي الشهداء مقابل مبالغ مالية، فضلاً عن تسهيل إصدار كتب رسمية لقاء رشى مالية.

توصيات مجلس المحافظة

وأوصى مجلس محافظة الأنبار في وقت سابق بمخاطبة الأمانة العامة لمجلس الوزراء للإسراع بإطلاق الرواتب المتوقفة للمستحقين، كما قرر المجلس مخاطبة مجلس النواب لتعديل بعض مواد قانون تعويض المتضررين، بما يسهم في تسريع إنجاز ملفات التعويضات.

ضبط وتدقيق المعاملات

في المقابل، يقول مسؤول مؤسسة الشهداء في الأنبار رهيب الهايس، لـ”العالم الجديد” اليوم السبت، إن المؤسسة تعمل على إعادة ضبط المعاملات، بما يضمن إيصال الرواتب والتعويضات إلى أصحابها المستحقين فقط.

ويبين: “شكلنا لجاناً للتقييم والمراجعة، وضبط المعاملات، وإعادة التحقيق بعدد الشهداء والجرحى، حتى يتم الكشف عن المزورين، أما ما يخص تأخر صرف المستحقات فهذا يعود لوزارة المالية والتخصيص المالي”.

ويرى الهايس، أن “مجلس محافظة الأنبار تدخل في قضية لا تخصه في مسألة إقالة مدير المؤسسة، كون الأمر خارج اختصاصه”.

وكشف الهايس، في وقت سابق، عن وجود نحو 900 شخص من عناصر تنظيم داعش يتسلمون رواتب شهداء، مؤكداً أن مئات الأشخاص الذين تسلموا رواتب تقاعدية، وهم ينتمون لعناصر داعش، وقتلوا في معارك التحرير مع القوات الأمنية في عامي 2015، و2016.

وصوّت مجلس محافظة الأنبار، في حزيران الماضي، على إعفاء رهيب حميد الهايس من إدارة مؤسسة الشهداء في المحافظة.

10 آلاف معاملة مزورة

من جهته، يؤكد الناشط الأنباري بلال الجميلي، أن سبب توقف عدد كبير من الرواتب والمعاملات لا يرتبط فقط بالإجراءات الإدارية، وإنما بوجود عمليات تدقيق واسعة بعد اكتشاف حالات تزوير في ملفات تعود إلى المحافظات المحررة، وفي مقدمتها الأنبار.

ويذكر، خلال حديثه لـ”العالم الجديد” اليوم السبت، أن “آلاف المعاملات التي تخضع لإعادة التدقيق بعد الاشتباه بوجود حالات تزوير، وهو ما أدى إلى تعطيل ملفات أخرى تعود لمستحقين حقيقيين، بانتظار انتهاء عمليات الفرز والتدقيق”.

ويضيف، أن “الآلاف من الأشخاص حصلوا على رواتب وإمتيازات ومبالغ كبيرة كتعويضات، على أنهم متضررين من العمليات العسكرية للحرب بين داعش والقوات الأمنية أثناء عمليات التحرير، لكنهم غير مستحقين، وأغلبها معاملات مزورة”.

وينوه إلى “وجود أكثر من 10 آلاف معاملة تم تزويرها بطريقة غير قانونية، وأكثر من 5 آلاف شخص يستلمون رواتب على أنهم شهداء أو جرحى للعمليات العسكرية، لكنهم مازالوا أحياء، أو حتى لم يتعرضوا لأي أذى في العمليات العسكرية”.

وكانت اللجنة التحقيقية المختصة في بغداد، قد أوقفت رواتب نحو 30 ألف قيد، بعد الكشف عن وجود عمليات تزوير وتلاعب في معاملات المتقدمين، وصرف الرواتب مستمر، ولكن بنسب أقل، بهدف التدقيق أكثر، وضبط الأسماء المزورة، والتي تم إنجاز معاملاتها بصورة غير قانونية.

وأوقفت مؤسسة الشهداء، يوم (25 آذار مارس 2024)، هدراً مالياً بقيمة تتجاوز تريليون دينار ضمن دائرة شهداء ضحايا الإرهاب في محافظة الأنبار، كاشفة عن أنها “تدقق حالياً 22 ألف معاملة بعد إيقافها احترازياً”.

يشار إلى أن جهاز الأمن الوطني، أعلن في وقت سابق، عن كشفه شبكة فساد تشمل الاحتيال واختلاس أموال مخصصة لضحايا تنظيم داعش في محافظة الأنبار، بلغت نحو تريليون دينار عراقي (760 مليون دولار)، واعتقل في حينها الآلاف من المشتبه فيهم، بينهم موظفون كبار في عديد من الهيئات الحكومية من بينها صناديق التقاعد ومؤسسة الشهداء، وتضمنت إصدار هويات وبيانات بطاقات ائتمان مفبركة، إضافة إلى الاتجار في بيانات سرية.

لكن الآلاف من العائلات الأنبارية تؤكد أن سلامة معاملاتها التس ما زالت متوقفة منذ أشهر، بينما يعتمد عدد كبير منها على الراتب التقاعدي بوصفه مصدر الدخل الوحيد، ما جعل تأخر الصرف يضاعف الأعباء المعيشية في محافظة ما تزال تعاني آثار سنوات الحرب والنزوح.

إقالة سباسية وخلط للأوراق

إلى ذلك، يطالب عضو حراك الأنبار الشعبي حسام الدليمي بعدم خلط الأوراق بملف رواتب الموظفين، حتى وإن كان هناك تزويراً في المعاملات.

ويوضح، خلال حديثه لـ”العالم الجديد” اليوم السبت، أن “إقالة مدير مؤسسة الشهداء في الأنبار كانت لأسباب سياسية، لأنه لا ينتمي للحزب الحاكم في إشارة لحزب تقدم برئاسة محمد الحلبوسي”.

ويؤكد، أن “مؤسسة الشهداء في بغداد تصلها تقارير بخصوص الفساد، ووجود معاملات غير قانونية، ومن تسبب بهذا الأمر، هي الجهات الحاكمة في الأنبار التي أنجزت المعاملات في فترة ما بعد تحرير المحافظة من سيطرة تنظيم داعش، وهي من نظمت المعاملات غير القانونية، ولهذا هي من تتحمل الفساد، وسوءالإدارة لملف التعويضات”.

ويرى الدليمي، أن “الخلط بين محاسبة المزورين، وبين تأخير حقوق المستحقين الحقيقيين، خلق أزمة ثقة بين المواطنين والمؤسسة، خصوصاً مع طول فترة التدقيق وغياب جداول زمنية واضحة لإنجاز الملفات، ولهذا لا يجب تحميل المواطن جرائم الفاسدين”.

وبعد إعلان تحرير محافظة الأنبار من سيطرة داعش، قررت الحكومة احتساب الأشخاص الذين قتلوا جراء أخطاء العمليات العسكرية، “شهداء” يتسلمون الرواتب التقاعدية، بعد إثبات عدم انتمائهم لداعش، فيما تم احتساب رواتب كذلك، لجرحى العمليات العسكرية.