الخميس، 6 أغسطس 2026

دخل الموظفون في العراق في يومهم الثامن والثلاثين من دون استلام الرواتب الشهرية، في أزمة تبدو أنها لن تنتهي قريباً بسبب شح السيولة النقدية لدى السلطات العراقية، الأمر الذي أدى إلى موجة غضب لدى شريحة واسعة من العاملين في مؤسسات حكومية بانتظار مستحقاتها المالية. مع العلم أن رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي سبق أن أقر تعسر السيولة المالية لأجل توفير مرتبات الموظفين العراقيين التي يقدر مجموعها بنحو 7.8 تريليونات دينار عراقي (أكثر من خمسة مليارات دولار).

وأخذت هذه المشكلة تؤثر على حركة البيع والشراء وقدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، وسط مخاوف من دخول الأسواق في مرحلة ركود أطول إذا استمرت الضغوط على الإنفاق الحكومي، حيث تجد الحكومة نفسها في مأزق خانق، يتمثل بتراجع الإيرادات النفطية واضطراب الصادرات، مقابل استمرار ارتفاع النفقات التشغيلية. وكانت وزارة المالية قد أعلنت عن توفير نحو 3.2 تريليونات دينار لصرف جزء من الالتزامات، وقد جرى بالفعل صرف مرتبات جزء من قوات الأمن وموظفي بعض الوزارات، بضمنها وزارة الصحة، إلا أن أغلبية الموظفين لم يتسلموا مرتباتهم.

وفي أول رد فعل شعبي على تأخر رواتب الموظفين، نظم العشرات من أساتذة وموظفي جامعة بابل (جنوبي العاصمة بغداد)، وقفة احتجاجية حاشدة داخل حرم الجامعة، تنديداً بتأخير صرف الرواتب وما وصفوه بالتجاهل المستمر لحقوقهم المالية والإدارية، ملوحين باللجوء إلى الإضراب المفتوح في حال استمرار الأزمة. وتأتي هذه الوقفة امتداداً لموجة احتجاجات واسعة شهدتها جامعات عراقية عدة خلال الأيام الماضية، وسط تساؤلات غاضبة من المحتجين بشأن استهداف شرائح الأكاديميين والموظفين بالقطع والتأخير قياساً ببقية مناصب الدولة.

كما شهدت محافظات كركوك، البصرة، بابل، تكريت، ذي قار، وواسط، احتجاجات نظمها موظفون في مؤسسات ودوائر حكومية عدة، وأكدوا خلال احتجاجاتهم، أن "هناك تقصيرا متعمدا ومتراكما من السلطات العراقية، وأن هذا التقصير وصل إلى قوت الموظف العراقي الذي لا يتجاوز راتبه الشهري 600 دولار أميركي". وهدد بعضهم بأن "الاحتجاجات قد تتحول إلى اعتصام مدني مفتوح وإضراب عن الدوام، حتى تعرف الدولة التزاماتها تجاه شريحة الموظفين".

وخلال الأسبوعين الماضيين، وبسبب كثرة الجدل بخصوص صعوبة تأمين رواتب الموظفين ومحدودية خيارات الحكومة العراقية لتوفير السيولة اللازمة للأشهر المقبلة، عاد مقترح طباعة العملة إلى واجهة النقاش الاقتصادي، باعتباره أحد الحلول المطروحة، وسط تحذيرات من تداعياته على التضخم وسعر الصرف والقوة الشرائية للمواطنين. ويأتي ذلك في وقت يسعى فيه البنك المركزي العراقي إلى إدارة مستويات السيولة والحفاظ على الاستقرار النقدي، فيما سبق أن حذر من اللجوء إلى إصدار نقود جديدة لتمويل النفقات العامة، مؤكداً أن هذا المسار يؤدي إلى التضخم وتآكل قيمة العملة، ومفرقاً بينه وبين الأدوات النقدية الأخرى المستخدمة في إدارة السيولة وتمويل حوالات الخزينة.

ورغم ذلك، أكد المستشار المالي في حكومة علي الزيدي، مظهر محمد صالح، أن العراق يمر بأزمة سيولة نقدية "مؤقتة". وقال لـ"العربي الجديد"، إن "العراق لا يمر بحالة إفلاس، حيث لا يزال يمتلك أصولاً سيادية واحتياطيات أجنبية، إلا أن انخفاض الإيرادات النفطية بسبب تراجع الصادرات أدى إلى إرباك في الالتزامات الشهرية وفي مقدمتها رواتب الموظفين"، موضحاً أن "الحكومة سبق أن شهدت مثل هذه الحالة، إلا أنها نجحت في النهاية بتأمين السيولة اللازمة لصرف رواتب الموظفين والمتقاعدين والمشمولين بالحماية الاجتماعية، وهو يعكس قدرة الدولة على إدارة السيولة".

من جهته، أكد عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي أن "رواتب عام 2026 مؤمّنة، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق ومراجعة النفقات"، موضحاً في تصريح نقلته صحيفة "الصباح" الرسمية في العراق، أن "الفترة المقبلة، ستشهد اجتماعات لبحث الحلول المقترحة وسبل تعظيم الإيرادات وإصلاح مؤسسات الدولة، وبضمنها مكافحة الفساد التي تمثل جزءاً من عملية الإصلاح، إلا أن المعالجة ينبغي أن تقود إلى إصلاح مؤسسي وتنمية اقتصادية حقيقية".

طباعة النقود بالعراق إلى الواجهة: تراجع إيرادات النفط يهبط بالسيولة

من جانبه، أشار الباحث في الشأن الاقتصادي محمد الجيزاني، إلى أن "الدولة العراقية مطالبة وفق القانون بتوفير الرواتب للموظفين، وأن تأخرها على الناس يعني أن الدولة تتجاوز القانون"، مشيراً إلى أن "الحكومة التي تعجز عن تسديد رواتب الموظفين ستكون عرضة إلى هزات شعبية حقيقية، بالتالي فإن الرأي العام مشغول حالياً بالمرتبات، ويتزامن هذا الموضوع مع تراجع ساعات تجهيز الكهرباء وارتفاع في درجات الحرارة، لذلك فإن المؤشرات قد تؤدي إلى احتجاجات تتجاوز مطالبها الرواتب".

وأكمل الباحث، أن "هناك حاجة فعلية لخفض الرواتب التي يتقاضاها المسؤولون والامتيازات العالية وترشيد الإنفاق الحكومي، وأن يتجه الفارق في الأموال نحو تحسين دخل المواطنين وتأمين الرواتب والخدمات الأساسية". وبحسب مراقبين آخرين، فإن الأزمة الحالية تمثل نتيجة طبيعية لتراكمات امتدت لسنوات طويلة، بسبب تضخم القطاع العام وارتفاع فاتورة الرواتب، إلى جانب استمرار الفساد المالي والإداري الذي استنزف موارد الدولة وأضعف قدرتها على بناء احتياطات مالية قادرة على مواجهة الأزمات، فضلاً عن غياب برامج تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.

ويبلغ عدد الموظفين على الملاك الدائم في القطاع الحكومي العراقي نحو 4 ملايين موظف، فيما يبلغ إجمالي مرتبات موظفي القطاع الحكومي ثمانية تريليونات دينار عراقي شهرياً، بما يعادل نحو خمسة مليارات دولار، وبواقع يصل إلى أكثر من 60 مليار دولار سنوياً من إجمالي الموازنة العامة التي تبلغ سنوياً عتبة الـ100 مليار دولار.