مصفاة بانياس لتكرير النفط على الساحل السوري (15/4/2026 الأناضول)
لم تكنِ التحوّلات الكبرى في الدول الخارجة من الحروب تبدأ دائماً من الأروقة السياسية أو طاولات المفاوضات، بل كثيراً ما انطلقت من أماكن تبدو أقلّ صخباً، لكنّها أكثر قدرةً على رسم ملامح المرحلة المقبلة: الموانئ، وخطوط الإمداد، ومحطّات الطاقة. فالحروب لا تخلّف خسائر مادية فحسب، بل تعيد تشكيل الاقتصاد نفسه، إذ تفرض أنماطاً جديدة من الاعتماد، وتعيد رسم مسارات التجارة، وتنشئ شبكات مصالح تحت ضغط الحاجة لا وفق رؤية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، لا تعود الطاقة مجرّد قطاع اقتصادي، بل مقياساً لهامش الدولة في الحركة: قدرتها على تأمين احتياجاتها، وتنويع خياراتها، والتفاوض من موقع أقلّ ارتهاناً للخارج. ضمن هذا التحوّل تحديداً، يكتسب التطوّر الذي كشفته وكالة رويترز، في 4 أغسطس/ آب الجاري، أهميته. إذ أفادت بأنّ دمشق أبلغت واشنطن استعدادها لتقليص وارداتها من النفط الروسي بصورة كبيرة، في إطار تفاهمات مرتبطة بمسار رفع القيود السياسية والاقتصادية المفروضة على سورية. ولا يعكس هذا التطوّر تغييراً في مصدر الطاقة فقط، بل يكشف إعادة نظر أوسع في البنية التي تشكّلت خلال سنوات الأزمة، وفي موقع روسيا داخل الاقتصاد السوري، بالتوازي مع انفتاح دمشق على خيارات وشراكات جديدة في قطاع الطاقة.
ارتكز الحضور الروسي في قطاع يرتبط مباشرةً باستقرار الدولة السورية والاقتصاد، ما منح موسكو موقعاً تفاوضياً أكثر رسوخاً
ولفهم جذور هذا الاعتماد، لا بدّ من العودة إلى اللحظة التي أصبح فيها النفط الروسي ركناً أساسياً في معادلة الطاقة السورية. فلم يكن ذلك خياراً استراتيجياً بقدر ما كان استجابة لظروف فرضتها الحرب والعقوبات؛ إذ لم تدخل روسيا سوقاً مستقرّة تبحث عن مورِّد جديد، بل ملأت فراغاً اتسع مع توقّف الإمدادات الإيرانية. وجدت دمشق نفسها أمام عجز كبير بين الإنتاج المحلّي والاستهلاك، في ظلّ استمرار القيود المالية والتجارية التي حدّت من قدرتها على العودة إلى الأسواق الدولية، فباتت مسألة تأمين النفط مرتبطةً قبل أيّ شيء بما هو ممكن، لا بما هو أفضل. عندها تحرّكت موسكو سريعاً، إذ ارتفعت الشحنات الروسية إلى سورية بنحو 75%، واكتسبت وزناً استثنائياً داخل الاقتصاد السوري؛ وأسهمت في تأمين احتياجاتها وتشغيل مصفاتَي بانياس وحمص، في وقت لم يكن الإنتاج المحلّي يتجاوز نحو 35 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات راوحت بين 120 و150 ألف برميل يومياً. وهكذا أصبح النفط الروسي جزءاً من المنظومة التي أبقت الاقتصاد قادراً على العمل في ظروف انكمشت فيها مساحة الخيارات. لكنّ أهمية النفط الروسي لم تكن في حجم الكمّيات وحده؛ فعندما يصل موردٌ حيوي إلى دولةً تعاني محدودية البدائل، لا يبقى مجرّد سلعة تجارية، بل يصبح عنصراً مؤثّراً في توازن العلاقة بين الطرفَين. ومن هذا المنظور، لم يكن النفط الروسي وسيلةً لسدّ فجوة في السوق فحسب، بل أحد مرتكزات الحضور الروسي في قطاع يرتبط مباشرةً باستقرار الدولة والاقتصاد، الأمر الذي منح موسكو موقعاً تفاوضياً أكثر رسوخاً. غير أنّ هذا النمط لم يكن مستداماً. فمع تصاعد التنافس الدولي، خرجت تجارة النفط من إطارها الضيّق لتصبح جزءاً من حسابات الأمن الاقتصادي وإعادة ترتيب الشراكات. وكشفت التوتّرات الإقليمية، ولا سيّما الصراع الإيراني–الأميركي، الأهمية المتزايدة لأمن الإمدادات وطرق العبور، فبات موقع الدولة داخل شبكات التدفّق لا يقلّ أهمّيةً عن حجم ما تنتجه من نفط وغاز. وبهذا المعنى، يصبح تقليص الاعتماد على النفط الروسي أكثر من مجرّد تغيير في المورِّدين؛ فهو يعكس محاولةً للانتقال من اقتصاد تحكمه الضرورة إلى اقتصاد يوسّع هامش خياراته، ويمنحه قدرةً أكبر على المناورة. وتأخذ هذه المقاربة شكلاً عملياً في التحرّكات السورية خلال عام 2026. ففي مايو/ أيّار، وقّعت دمشق مذكّرة تفاهم مع تحالف يضمّ TotalEnergies وQatarEnergy وConocoPhillips لإجراء تقييم فنّي للبلوك البحري رقم 3، تمهيداً لمناقشات الاستكشاف، ثمّ وقّعت في يونيو/ حزيران اتفاقاً مع ConocoPhillips وNovaTerra لتطوير حقول الغاز وزيادة إنتاج الحقول القائمة. وفي يوليو/ تمّوز، امتدّ هذا الانفتاح إلى البنية التحتية ومسارات النقل، مع مذكّرة تفاهم عراقية–سورية لإعادة تأهيل خطّ النفط الواصل بين العراق وبانياس، بمشاركة Chevron في تنفيذ المشروع. ورغم أنّ هذه الخطوات لم تتحوّل بعد إلى واقع سوقي مكتمل، تحمل دلالة سياسية واقتصادية مهمّة؛ لا ترتبط فقط بالعلاقات مع موسكو أو واشنطن، بل بما يحدث عندما تعيد الحرب تشكيل العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمكان. فالحرب لا تدمّر الأصول فحسب، بل تعيد ترتيب قيمتها وموقعها في شبكة المصالح، وتدفع الدولة إلى إعادة اكتشاف ما تملكه وما تستطيع أن تقدّمه. ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا تكون المقوّمات اللوجستية محايدةً، بل تعيد توزيع القوّة الاقتصادية، وتحدّد من يملك القدرة على التأثير في حركة السلع ورؤوس الأموال. وسورية، وإن لم تكن قوّةً نفطيةً كُبرى، إلّا أنّها تقع عند نقطة تتقاطع فيها مصالح العراق وشرقي المتوسّط وتركيا، وعلى مقربة من مساراتٍ نحو الأسواق الأوروبية. لهذا، لا تعني إعادة بناء البنية التحتية ببساطة إصلاحَ ما دمّرته الحرب، بل إعادة بناء الشروط التي تجعل الاقتصاد السوري جزءاً من حركة إقليمية آخذة في التشكّل. فالطريق والأنبوب والميناء لا تكتسب قيمتها من وجودها المادي وحده، وإنّما من التدفّقات التي تستطيع جذبها، وهنا فقط تتحول الجغرافيا إلى رأسمال. في ضوء ذلك، لا تُقاس أهمية الموقع بما يختزنه من موارد فحسب، بل بما يستطيع تنظيمه من حركة: ما يمرّ عبره، وما يتّصل به، وما ينشأ حوله من استثمارات ومصالح. عندها تصبح عملية التعافي الاقتصادي أكثر من استعادة للنشاط؛ إنّها تحويلٌ جوهري لما خلّفته الحرب من جغرافيا مجزّأة إلى أصول قادرة على إنتاج القيمة.
اختصر "البرميل الروسي" مرحلةً حكمتها الضرورة، وكان عنواناً لاقتصادٍ ضاقت خياراته بفعل الحرب
