بغداد – 964 خلف الكواليس السياسية في العاصمة بغداد، تمر "حملة الفجر" لمكافحة الفساد التي أطلقها رئيس الوزراء بمرحلة بالغة التعقيد والتردد، بعد أن انطلقت في نهايات شهر حزيران الماضي بزخم عارم تمثل بنشر القطعات العسكرية مثل الدبابات في المنطقة الخضراء وتنفيذ سلسلة اعتقالات واسعة رفعت شعار "لا خطوط حمراء أمام الفاسدين". غير أن هذا الزخم اصطدم سريعاً بواقع سياسي وأمني شديد التشابك، أدى إلى خفوت الحملة وظهور حالة من "الفتور" الحذر، ربطها المراقبون بانتهاء العطلة التشريعية لمجلس النواب وعودة البرلمان للانعقاد، مما جعل إجراءات ملاحقة النواب تخضع لتعقيدات الحصانة البرلمانية وحاجة رفعها إلى تصويت المجلس نفسه بعد أن كانت تتم سابقاً بموافقة رئاسة البرلمان وحدها مستغلة فترة الفراغ التشريعي. وتكشف حيثيات التراجع عن وجود مقاومة شرسة من قوى سياسية وفصائل مسلحة نافذة تمتلك أذرعاً وثقلاً داخل مؤسسات الدولة وقبة البرلمان، ما رفع الكلفة السياسية على رئيس الحكومة وجعله يخشى تفكك الائتلاف الحاكم أو التعرض لمخاطر جسيمة كالاغتيال أو إسقاط الحكومة إذا ما تجاوز ما تسمى بـ "الخطوط الحمراء" التي تحمي رؤوس الكتل وكبار المتهمين وآباء العملية السياسية، لتنحصر الحملة عملياً في نطاق ضيق تركز معظمها حول وزارة النفط وملفي وكيلي الوزارة "عدنان الجميلي" و"علي معارج". هذا التراجع المؤقت افرز مظاهر واضحة تمثلت بغياب أكثر من 100 نائب عن حضور جلسات البرلمان منذ استئنافها في تموز خشية وجود أسمائهم في قوائم الاعتقال السرية، فضلاً عن تواري شخصيات سياسية بارزة عن الأنظار أو مغادرتها البلاد (مثل وزير العمل السابق والقيادي في الإطار التنسيقي أحمد الأسدي الذي سافر إلى أستراليا، ورئيس كتلة حقوق النيابية حسين مؤنس) تحت ذرائع مختلفة كالعلاج أو السفر، تزامناً مع مغادرة العديد من المسؤولين وعائلاتهم لمنازلهم داخل المنطقة الخضراء. وفي قراءة بديلة للمشهد، يرى سياسيون مثل محافظ نينوى الأسبق أثيل النجيفي أن ما يبدو تراجعاً هو في الواقع "إعادة ترتيب للأولويات" تلتزم بها الحكومة إزاء تعهدات دولية تضع ملف "نزع سلاح الفصائل ومنع الهجمات" على رأس الاجندة بموعد نهائي غايته نهاية شهر أيلول المقبل، حيث يُعتقد أن إخضاع سلاح الفصائل وحلفائها سيؤدي تلقائياً إلى تفكيك منظومة الفساد المرتبطة به والمحمية بقوة السلاح خارج الدولة. وعلى الرغم من التوقعات الكبيرة بأن توفر الحملة موارد ضخمة لخزينة الدولة التي تواجه عجزاً شهرياً هائلاً بنحو 8 تريليونات دينار لتأمين الرواتب، إلا أن الحصيلة المالية لم تتجاوز حتى الآن نحو 250 مليار دينار، مقارنة بتقديرات تفيد بوجود تريليونات الدولارات المهربة أو المتحصلة لدى الفاسدين. وسط كل هذه التجاذبات، تترقب الأوساط السياسية موعداً مفترضاً في أواخر أيلول المقبل، عسى أن تستعيد "حملة الفجر" ألقها بعد أن تكون الحكومة قد فرغت من ترتيب ملفاتها الأمنية والسياسية الأكثر إلحاحاً. تقرير صحيفة المدى، تابعته شبكة 964: أكثر من 100 نائب ما زالوا يتجنبون حضور جلسات البرلمان منذ "حملة الفجر" في نهاية حزيران الماضي، ووزير سابق يقيم خارج البلاد، ورئيس كتلة نيابية لم يعد يظهر في المشهد، فيما تتداول الأوساط السياسية قوائم جديدة لمتهمين بالفساد. لكن المفارقة أن حملة «الفجر» التي دفعت هؤلاء إلى الاختفاء، تبدو هي الأخرى مختفية. فبعد أسابيع من الدبابات في المنطقة الخضراء والاعتقالات، والحديث عن «عدم وجود خطوط حمراء» أمام الفاسدين، خفتت الحملة بصورة لافتة. لم تعد الاعتقالات اليومية خبراً، ولم تصل الإجراءات، حتى الآن، إلى رؤوس سياسية كان يعتقد أن الزيدي يريد الوصول إليها. هل انتهت الحملة؟ المصادر السياسية تقول: لا. لكنها تضيف أن المعركة دخلت منطقة أكثر تعقيداً، تتقاطع فيها حصانة البرلمان مع أوامر الاعتقال، وحسابات الحكومة مع مصالح القوى السياسية، وملف الفساد مع السلاح والنفوذ. وهناك موعد مفترض يجري انتظاره وهو في نهاية أيلول المقبل. عندها، بحسب مصادر مطلعة، قد تعود «حملة الفجر» إلى الواجهة، بعد أن تكون الحكومة قد ملفات أخرى تتقدم حالياً على مكافحة الفساد. «الحملة تراجعت لكنها ما زالت مخيفة» يقول مصدر سياسي مطلع لـ"المدى" إن حملة الزيدي فقدت جزءاً كبيراً من زخمها الأول، لكنها "ما زالت مخيفة". ويستند المصدر إلى ما يجري داخل البرلمان. فمنذ عودة المجلس إلى الانعقاد في تموز الماضي، بعد عطلة استمرت شهرين، ما زال أكثر من 100 نائب لا يحضرون الجلسات، فيما اختفت وجوه مسؤولين لأسابيع قبل أن تظهر بصورة خجولة. وبحسب المصدر، فإن جزءاً من هؤلاء النواب والمسؤولين يتوقع، أو يعلم، أن أسماءهم موجودة في قوائم اعتقال مرتبطة بملفات فساد، ولذلك قرروا عدم العودة من العطلة التشريعية. وبعضهم، كما يقول المصدر، «ما زالت عطلته مستمرة». وتبرز في هذا السياق أسماء مثل أحمد الأسدي، وزير العمل السابق والقيادي في الإطار التنسيقي، المتهم في قضايا فساد، والذي تشير معلومات متداولة إلى أنه هرب إلى أستراليا، وكذلك حسين مؤنس، رئيس كتلة حقوق النيابية، المظلة السياسية لـ»كتائب حزب الله». وكان عامر الفايز، القيادي في التحالف الشيعي، قد كشف الشهر الماضي أن الرجلين مطلوبان، قبل أن يتراجع عن كلامه ويقول إنه «فهم خطأ»، فيما قال الأسدي إنه موجود خارج البلاد في رحلة علاج. وكان قد غادر مسؤولون وعائلاتهم المنطقة الخضراء، أو امتنعوا عن العودة إليها، عقب انطلاق حملة الاعتقالات، فيما أصبحت منازل نواب ووزراء ومسؤولين سابقين شبه خالية، بحسب مصادر تحدثت لـ»المدى». وتزامنت الحملة حينها مع العطلة التشريعية، التي سهلت إجراءات رفع الحصانة، وسط تقديرات بأن نحو نصف النواب يعيشون القلق، خصوصاً بعد وصول 19 طلباً قضائياً لاحقاً لرفع الحصانة، فيما اعتقل 10 نواب من أصل 21 شخصاً في المرحلة الأولى. وباستثناء النائبين حسنين الخفاجي ومحمد الكربولي، اللذين صدرت بحقهما أحكام بالسجن، لم تتوسع الأحكام القضائية بحق النواب حتى الآن. لماذا تراجعت الحملة؟ بالنسبة إلى باسل حسين، رئيس «مركز كلواذا للدراسات وقياس الرأي العام»، فإن هناك عدة أسباب ساهمت في تراجع حملة مكافحة الفساد التي يقودها الزيدي. يقول حسين لـ (المدى) إن الحملة «اصطدمت بمقاومة سياسية ومليشياوية، أي بمصالح قوى نافذة تمتلك نفوذاً داخل البرلمان والأحزاب ومؤسسات الدولة وقوى السلاح». ويضيف أن الزيدي «بات يدرك أو يؤمن أن الكلفة السياسية سترتفع كلما اقتربت التحقيقات من شخصيات أكبر». وهناك، في رأيه، مشكلة أخرى: عدم وصول الحملة إلى رؤساء القوى السياسية وكبار المتهمين، وهو ما ولد انطباعاً بأنها «انتقائية وتستهدف أطرافاً سياسية بعينها دون غيرها»، رغم نفي الحكومة ذلك الاتهام. ثم جاءت الأولويات الأخرى، والملفات التي تواجه الحكومة تشعبت من الرواتب والسلاح خارج الدولة إلى الأمن والاستثمار والعلاقات الخارجية. كما أن بغداد تخشى، بحسب حسين، من أن يؤدي التصعيد ضد قيادات الكتل أو مكاتبها الاقتصادية إلى تفكك الائتلاف الحاكم. «فغلبت لديه حسابات الاستقرار السياسي على استكمال الحملة بالزخم نفسه»، يقول حسين. وكان الزيدي يريد توسيع حملة الفساد لتشمل رؤساء حكومات سابقين وقيادات عليا، لكن مصادر سياسية قالت لـ (المدى) إن «اتفاقاً غير مكتوب» أبقى هؤلاء، وما يسمى بـ"آباء العملية السياسية"، خارج الملاحقة، ما اصطدم معه رئيس الحكومة. ورجحت المصادر إن الزيدي بات يواجه خطر الاغتيال أو إسقاط حكومته إذا تجاوز «الخطوط الحمراء»، رغم قوله: «ما عندنا خطوط حمراء ولا صفراء أمام أي فاسد». وبحسب المصادر، جرى حصر الحملة عملياً في محيط وزارة النفط، ولا سيما ملفي وكيلي النفط عدنان الجميلي وعلي معارج. «السلاح أولاً.. والفساد سيسقط تلقائياً» لكن هناك قراءة أخرى ترى أن ما يبدو تراجعاً قد يكون في الحقيقة إعادة ترتيب للأولويات. السياسي أثيل النجيفي يقول: «أنا مع فرضية تنظيم الزيدي لأولوياته، لا سيما وأنه ملتزم بتعهدات دولية وبتواريخ محددة لنزع سلاح الفصائل ومنع الهجمات على دول الجوار». ويضيف لـ (المدى): «وجميعنا واثقون بأن أي حملة ضد الفساد إذا مست قيادات في الفصائل أو حلفائهم فإنها ستفسر على أنها مفتعلة وتعقد عمله بشكل كبير». وبحسب النجيفي وهو القيادي في جبهة الإنقاذ والتنمية، فإن نجاح الزيدي في ملف السلاح قد يؤدي تلقائياً إلى سقوط جانب كبير من منظومة الفساد. «إذا نجح الزيدي في نزع السلاح خارج الدولة فإن كثيراً من تراكمات الفساد ستتساقط تلقائياً»، يقول النجيفي، موضحاً أن «الفساد مبني بالدرجة الأولى على وجود شخصيات تسوق لنفسها أنها خارج القانون لأنها محمية بفصائل متنفذة في الدولة». وكان يعتقد وفق مصادر سياسية إن حملة الفساد ترتبط بإصلاح الاقتصاد وتجفيف مصادر تمويل الفصائل، ضمن تفاهمات يرجح أنها جرت في واشنطن، مما قد تتصاعد مجدداً بعد 30 أيلول، الموعد النهائي لتسليم سلاح الفصائل. وهذه التوقعات كانت تشير إلى أن الحملة ستوفر موارد كبيرة للخزينة، لكن النتائج المالية بقيت محدودة حتى الآن، إذ لم يدخل الخزينة سوى نحو 250 مليار دينار، مقابل تقديرات تتحدث عن 200 مليار دولار لدى الفاسدين، وتريليوني دولار مهربة إلى الخارج، في وقت تواجه الحكومة عجزاً شهرياً بنحو 8 تريليونات دينار لتأمين الرواتب. «البرلمان هو الحاجز»! من جهته، يضع غالب الدعمي، الأكاديمي والباحث السياسي، تفسيراً مختلفاً لفتور حملة مكافحة الفساد، ويربطه هذه المرة بالعودة إلى العمل التشريعي وما تفرضه الحصانة البرلمانية من قيود على إجراءات الاعتقال. ويقول الدعمي لـ"المدى" إن الإجراءات "لا يمكن أن تتجه بسهولة نحو النواب"، لأن رفع الحصانة في الظروف الحالية يحتاج إلى تصويت مجلس النواب، مضيفاً أن المجلس "لن يقبل رفع الحصانة" ما دام منعقداً. وكانت الحملة في بدايتها قد استفادت من العطلة التشريعية، إذ لم تكن إجراءات رفع الحصانة تحتاج إلى تصويت المجلس، وإنما إلى موافقة رئيس البرلمان فقط، بحسب النظام الداخلي. لكن النواب اعتبروا لاحقاً ما جرى «إهانة»، الأمر الذي جعل تكرار السيناريو أكثر صعوبة بعد عودة المجلس إلى الانعقاد. ومع ذلك، لا يرى الدعمي أن هذا يعني انتهاء الحملة، بل يعتقد أن ما يحدث هو «فتور» مؤقت، مؤكداً أن «حملة مكافحة الفساد هي في فتور الآن، لكن ستعود». ويرجح أن تتركز الإجراءات في المرحلة الحالية على المدراء العامين، وربما وزراء في الحكومات السابقة، «بغض النظر عن الحكومة» التي عملوا فيها، إلى حين تهيؤ الظروف السياسية والقانونية لمراحل أوسع. ويضع الدعمي معياراً آخر للحكم على حجم الحملة، بعيداً عن موقع الشخص المستهدف، قائلاً: «يحسب ملفاً كبيراً بحجم الفساد وليس بحجم الشخص». فقد تكون هناك، بحسب رأيه، مخالفة تستدعي طلباً بحق نائب أو وزير، «لكن ليس بالضرورة أن يكون ملف فساد كبير». كما أن تصنيف الفساد إلى كبير وبسيط لدى هيئة النزاهة لا يرتبط، في تقديره، بدرجة المسؤول أو منصبه، وإنما بحجم الأموال التي جرى الاستيلاء عليها. وفي النهاية، يعتقد الدعمي أن «ظروفاً معينة أرجأت هذا الملف، قد تتعلق بالأحداث الأمنية»، لكنه لا يرى أن التأجيل يعني التراجع النهائي، ويرجح أن «الحملة ماضية ولن تتوقف».
