“كل ما نوكع بضيق ننخاها”.. نذور المسلمين في كنيسة مريم العذراء وسط الميدان

منطقة الميدان (بغداد) 964 في الخامس عشر من آب من كل عام، تحيي الكنائس المسيحية عيد "انتقال السيدة العذراء"، وهو اليوم الذي يشهد سنوياً توافداً لزائرين من مختلف الأديان والطوائف إلى كنيسة مريم العذراء للأرمن الأرثوذكس، المعروفة محلياً باسم "مسكنتة" في منطقة الميدان وسط بغداد. وتتقاطر هذه الحشود نحو الكنيسة — التي تعود جذورها التاريخية إلى عام 1639 — لتقديم النذور وإشعال الشموع وتبادل التهاني، حيث يؤكد رئيس اللجنة الإدارية لطائفة الأرمن كربيت كارلوستيان أن الكنيسة أصبحت مزاراً يقصده الجميع تبركاً بمكانة العذراء، بينما تعبر إحدى الزائرات المسلمات عن اعتيادها على "دق باب مريم" في أوقات الضيق لطلب الفرج، وتشاركها الزائرة المسيحية توما حنى القادمة من كندا بنقل نذور صديقاتها المسلمات وإشعال الشموع للجميع دون تفرقة. ويعد "عيد انتقال السيدة العذراء" أحد أبرز الأعياد المسيحية وأقدمها، ويحتفل به في الخامس عشر من آب من كل عام. وتعني كلمة "الانتقال" في المعتقد المسيحي صعود السيدة مريم العذراء (والدة السيد المسيح) إلى السماء بنفستها وجسدها بعد انتهاء حياتها على الأرض، لتكريمها ومكانتها الرفيعة. ولا يقتصر هذا اليوم على كونه مناسبة دينية بحتة، بل تحول عبر التاريخ في العراق وعدد من المدن إلى تقليد إنساني واجتماعي عابر للأديان والطوائفن حيث تتوجه أعداد كبيرة من المواطنين، بمن فيهم المسلمون إلى الكنائس والمزارات التاريخية المكرسة على اسمها — مثل كنيسة "مسكنتة" في بغداد — لتقديم النذور، وإشعال الشموع، ورفع الدعوات طلباً للفرج والشفاعة، إيماناً بمكانة السيدة مريم العذراء. ويوضح كربيت كارلوستيان، رئيس اللجنة الإدارية لإدارة شؤون الطائفة الأرمنية في العراق، لشبكة 964، أن الكنيسة التي تُعرف رسمياً باسم كنيسة مريم العذراء وتسمى شعبياً بـ "مسكنتة"، شُيدت قبل نحو أربعة قرون، وشهدت عمليات ترميم وإعمار بارزة أعوام 1919 وفي سبعينيات القرن الماضي، لتبقى محافظة على قيمتها التراثية. ويضيف في حديث لشبكة 964 أن أبواب الكنيسة تظل مفتوحة طوال النهار أمام الزائرين من كافة المحافظات والأديان (من السابعة صباحاً وحتى السابعة مساءً في الصيف، وحتى الخامسة عصراً في الشتاء)، لتغدو مزاراً روحياً يقصده الجميع تبركاً بمكانة السيدة مريم العذراء التي تحظى باحترام واجلال بالغ ومذكورة في القرآن الكريم. وتقول إحدى الزائرات المسلمات لشبكة 964: "جئنا متعنين من بيوتنا إلى بيتها، متباركين وفرحين لنبارك لإخواننا المسيحيين، فنحن نعتبرها قديسة وكلما ضاقت بنا الأسباب ندق بابها، فنحن نؤمن بأنها لا ترد سائلاً". وتضيف: "جئت اليوم بطلب خاص أن تُفتح جميع السجون أمام العراقيين المسجونين، ولي قريب خلف القضبان، وقد دعوت الله والعذراء أن يتحقق الفرج القريب". من جهتها، تؤكد الزائرة المسيحية توما حنى، القادمة من كندا خصيصاً للمشاركة في المناسبة، أن طقوس عيد انتقال العذراء تحمل معاني التلاحم الأبدي، قائلة: "صديقاتي المسلمات يحببن مريم العذراء كثيراً، وقد أودعن عندي نذوراً لأقوم بتوزيعها نيابة عنهن، وقد أشعلت الشموع للمسلمين والمسيحيين بلا فرق بين أحد". وتستعيد حنى ذكريات طفولتها في الكنيسة قائلة: "الكنيسة لم تتغير رغم هجرتي التي استمرت 32 عاماً، وما زالت تستحضر فينا ذكريات الطفولة وأيام الامتحانات البريئة حين كنا نردد طقوسنا العفوية أملاً بالنجاح".