الخميس، 6 أغسطس 2026

تحولت رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين في العراق إلى أبرز اختبار تواجهه المالية العامة، بعد تراجع الإيرادات النفطية واتساع الضغوط على السيولة، في وقت بدأت فيه الحكومة تتحدث عن خيارات تمويل غير تقليدية لتأمين الإنفاق، وسط تحذيرات اقتصادية من أن استمرار تعطل الصادرات النفطية قد يدفع البلاد إلى أزمة مالية أعمق، فيما تؤكد الحكومة أن ما يجري لا يعني إفلاس الدولة، وإنما ضائقة مالية يمكن تجاوزها عبر الاقتراض، وإعادة ترتيب الأولويات، وفتح منافذ جديدة لتصدير النفط.

ويأتي هذا الجدل بعد تصاعد المخاوف من قدرة الحكومة على الاستمرار في تمويل الرواتب والنفقات التشغيلية إذا استمرت أزمة الصادرات النفطية، خصوصاً أن أكثر من 85 بالمئة من عوائد النفط العراقية في الظروف الطبيعية تعتمد على الصادرات المارة عبر الخليج، بينما تستحوذ الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية على الحصة الأكبر من الإنفاق العام.

ضائقة لا إفلاس

ويقول المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، خلال حديثه لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس (6 آب أغسطس 2026)، إن الموازنة العامة تمر بأزمة واضحة، لكنها لا تعني إفلاس الدولة، لأن الدول لا تفلس، وإنما تمر بضائقة أو أزمة اقتصادية.

ويضيف، أن “العراق يمتلك موارد متعددة، لكنه يحتاج إلى إعادة تدبير مالي، ولا ينبغي أن يقتصر الاعتماد على الاقتراض الداخلي، بل توجد خيارات أخرى، منها الاقتراض الخارجي، واللجوء إلى ما يعرف بالتمويل قبل التصدير (Pre-export Financing)، الذي تقدمه شركات عالمية مقابل عوائد مستقبلية من الصادرات، فضلًا عن إمكانية الاقتراض من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أو التوجه إلى أسواق رأس المال”.

تمويل الأصدقاء

ويشدد صالح، أن “العراق يحظى بعلاقات دولية واسعة، ولديه العديد من الأصدقاء في العالم، ما يتيح خيارات متعددة للحصول على التمويل”، مؤكداً أن “الاقتصار على الاقتراض الداخلي ليس الخيار الوحيد”.

ويرى، أن “التوسع في الاقتراض خلال المرحلة الحالية قد يسهم في استكمال مشاريع أنابيب النفط، ولا سيما أنبوب كركوك – جيهان، بما يتيح الوصول إلى طاقته التصديرية القصوى، الأمر الذي سيساعد في تخفيف جزء كبير من الأزمة، إلى جانب إمكانية الاستفادة من التصدير عبر الناقلات والشاحنات باتجاه بانياس، مع تطبيق الانضباط المالي”، مبيناً أن “العراق قادر على التعايش مع الظروف الحالية إلى حين انتهاء الأزمة، التي ستنتهي قريباً”.

ويعتقد، المستشار المالي لرئيس الوزراء، أن “تجاوز الأزمة يتطلب تعزيز موارد الدولة عبر الاقتراض أو زيادة الصادرات النفطية، بالتزامن مع الانضباط المالي وترتيب أولويات الإنفاق”، مستطرداً أن “صانع القرار يمتلك خيارات يمكن توظيفها عبر العلاقات الدولية والإقليمية، وأن تصدير نحو مليون برميل عبر تركيا، إلى جانب الصادرات عبر الخليج والنقل بالشاحنات، يمكن أن يساعد في استقرار الأوضاع”.

وحول العجز المتوقع في موازنة عام 2027، يبين صالح أنه “سيكون تحدياً حقيقياً، ويتوقف جزء منه على تطورات الأوضاع في مضيق هرمز، وما إذا كانت الأزمة ستستمر أم تنتهي”، موضحاً أن “في حال انتهاء الأزمة، سيتمكن العراق من استئناف تصدير كمياته المعتادة البالغة نحو 3.3 ملايين برميل يومياً”.

ويتاب، أن “القطاع الخاص يمكن أن يؤدي دوراً استثمارياً مهماً خلال المرحلة المقبلة إذا ما حصل على سياسات حكومية داعمة”، لافتاً إلى أن “العراق قادر على عبور الأزمة بأقل قدر ممكن من الخسائر”.

إنهيار الإيرادات

من جانبه، يقول المتخصص في الشأن الاقتصادي ضياء المحسن، خلال حديثه لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس، إن “العراق سيكون من أكثر الدول تضرراً اقتصادياً إذا أُغلق مضيق هرمز بالكامل أو لفترة أطول، ليس بسبب ارتفاع أسعار النفط، وإنما لأن قدرته على تصدير النفط ستتراجع بصورة كبيرة”.

ويوضح، أن “أخطر التداعيات تتمثل في انهيار الصادرات النفطية، وما يرافقه من انخفاض الإيرادات المالية، فضلاً عن أزمة سيولة تؤثر مباشرة على تمويل رواتب الموظفين والمتقاعدين والإعانات الاجتماعية، وتأخر تمويل المحافظات، وتقليص الإنفاق الاستثماري، وزيادة العجز المالي، الأمر الذي قد يدفع الحكومة إلى اللجوء للاقتراض أو التمويل بالعجز”.

ويضيف، أن “من التداعيات أيضاً ارتفاع أسعار السلع المستوردة، وانتقال التضخم إلى العراق من الدول المصدرة، فضلاً عن الضغط على احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية”.

بدائل غير كافية

ويبين المحسن، أن “ارتفاع أسعار النفط لا يعني بالضرورة زيادة الإيرادات بالنسبة للعراق، فإذا ارتفعت الأسعار بنسبة تتراوح بين 40 و70 بالمئة مع انخفاض كبير في حجم الصادرات، فإن الإيرادات ستتراجع، أما إذا توقفت الصادرات كلياً فلن يستفيد العراق من ارتفاع الأسعار مطلقاً”، مؤكداً أن “الخطر الحقيقي يكمن في تعطل القدرة على التصدير، وليس في انخفاض أسعار النفط”.

ويشير إلى أن “بناء منافذ تصدير بديلة وخطوط أنابيب إضافية يمثل قضية أمن اقتصادي، وليس مجرد مشروع نفطي”، موضحاً أن “العراق يمتلك بدائل، لكنها غير كافية لتعويض الصادرات الجنوبية بالكامل، ومن أبرزها خط العراق – تركيا، وخط كركوك – بانياس، وخط العراق – السعودية باتجاه ميناء ينبع، إلا أنها تحتاج إلى تأهيل أو ترتيبات سياسية وفنية”.

ويعتبر الخبير الاقتصادي، أن “السيناريو الأسوأ، المتمثل في توقف معظم الصادرات النفطية لعدة أشهر، يمكن أن تديره الحكومة لفترة محدودة اعتماداً على احتياطيات البنك المركزي والأرصدة الحكومية، إلا أن الأزمة ستتحول لاحقاً إلى أزمة هيكلية تتجسد في تراجع النشاط الاقتصادي، وارتفاع البطالة، والضغط على الاحتياطيات، وتراجع قيمة العملة المحلية”.

ويلفت إلى أن “أسعار السلع والتضخم سيكونان من أسرع الآثار التي سيلمسها المواطن، بسبب اعتماد العراق على الاستيراد لتوفير الغذاء والدواء والسلع الاستهلاكية والمواد الأولية”، مبيناً أنه “لا توجد حتى الآن خطة طوارئ شاملة ومعلنة للتعامل مع سيناريو إغلاق طويل لمضيق هرمز”.

ويكمل، أن “استمرار الإغلاق لمدة تتراوح بين ستة أشهر وعام أو أكثر قد يدفع الاقتصاد العراقي إلى واحدة من أخطر الأزمات منذ عام 2003، تبدأ بأزمة الإيرادات، ثم أزمة المالية العامة، تليها أزمة النقد الأجنبي وسعر الصرف، ثم التضخم، فالركود الاقتصادي، وصولاً إلى أزمة اجتماعية تتمثل في ارتفاع معدلات الفقر، وتراجع الخدمات العامة، وتعثر شركات القطاع الخاص، وازدياد المطالبات الاجتماعية”.

ثمن الإخفاقات

إلى ذلك، يقول الناشط المدني عمر زياد، خلال حديثه لـ’العالم الجديد” اليوم الخميس, إن أزمة السيولة الحالية هي نتيجة تراكمات امتدت منذ عام 2003 وحتى حكومة محمد شياع السوداني، محملاً الحكومات المتعاقبة مسؤولية غياب التخطيط الاستراتيجي، واستمرار الفساد، وضعف الرقابة على إدارة المال العام.

ويضيف، أن “الإخفاق في تنويع مصادر الدخل، وإهمال القطاعين الصناعي والزراعي، أبقى الاقتصاد العراقي معتمداً بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، ما جعله أكثر عرضة لأي تراجع في الصادرات أو الإيرادات”.

ويشير الناشط المدني، إلى أن “غياب خطة طوارئ اقتصادية لمواجهة أي توقف محتمل في الصادرات النفطية يمثل مصدر قلق حقيقي، لذا يجب على الحكومة الاستفادة من خبرات المختصين والتجارب الدولية لوضع معالجات واقعية تحمي الاقتصاد الوطني.

ويتابع، أن “على الحكومة الابتعاد عن تحميل المواطنين كلفة الأزمة عبر فرض ضرائب أو غرامات إضافية”، مستطرداً أن “المواطن لا ينبغي أن يدفع ثمن إخفاقات الحكومات المتعاقبة، وأن مثل هذه الإجراءات قد تزيد من حالة السخط الشعبي”.

محاكمات علنية

وفيما يخص حملات الفساد من قبل الحكومة الحالية يدعو زياد الى “مواصلة استعادة الأموال المنهوبة وملاحقة المتورطين بسرقة المال العام، وعدم الرضوخ لأي ضغوط قد تعرقل هذا الملف، مع إجراء محاكمات علنية”، موضحاً أن “استرداد تلك الأموال من شأنه أن يسهم في تجاوز جانب مهم من أزمة السيولة”.

ويبين أن “أولى تداعيات الأزمة ستكون تراجع القدرة الشرائية، وما يرافقها من ركود اقتصادي، وتراجع في حركة الأسواق والأعمال، بما ينعكس سلباً على الحياة المعيشية للمواطنين.”

ويعزز هذه التحذيرات أرقام أعلنها مرصد “إيكو عراق”، الذي كشف، في وقت سابق، أن رواتب الموظفين والمتقاعدين ومخصصات الرعاية الاجتماعية تستحوذ وحدها على نحو 81 بالمئة من إجمالي الموازنة العامة، مقابل 6 بالمئة فقط للموازنة الاستثمارية، فيما تمثل النفقات التشغيلية نحو 94 بالمئة من إجمالي الإنفاق الحكومي، الأمر الذي يعكس هشاشة المالية العامة أمام أي تراجع في الإيرادات النفطية.

وقد أثار وزير الصحة عبد الحسين الموسوي، جدلاً واسعاً في أواخر تموز يوليو الماضي، عندما أكد أن البلاد تواجه أزمة سيولة خانقة، وأن الحكومة تحتاج إلى نحو 10.8 تريليونات دينار شهرياً لتأمين الرواتب، فيما أقرت الحكومة لاحقاً، على لسان متحدثها الرسمي، بوجود ضغط مالي وسيولة محدودة تؤثر في انتظام تمويل الالتزامات.