ظلت مباحث علم النفس لفترة طويلة من الزمن تتمحور حول الفرد والذات فاهتمت بدراسة سلوك الفرد في أطواره العمرية المختلفة فتعقبت مراحل نموه في سيكولوجية الطفولة والمراهقة وبناء الشخصية وسيكولوجية الشيخوخة ودراسة السلوك الإنساني ودوافعه المختلفة، وبعد حين انبثق نظر جديد على يد العالم الفرنسي (غوستاف لوبون) يهتم بالبصمة النفسية التي تشكل سيكولوجية المجتمع ومشتركه الشعوري النفسي والآراء والمعتقدات والأوهام ومخيلته بما يشكل وحدة ذهنية اجتماعية واحدة، ودراسة العوامل التي تكون كل ذلك إذ يجري التفريق في الدراسات السيكولوجية والاجتماعية بين نظرين مختلفين اثنين، يهتم أحدهما بتأثير المجتمع في نمو الفرد وتشكيل قيمه وأثر محيطه في بناء شخصيته المستقلة، ونظر ثان يرتكز على السلوك الجمعي للأفراد وكيف ينصهر الفرد بتأثير الجماعة فينخرط مع قيمها فتغيب ملامحه الفردية فينقاد ضمن سيكولوجية الجماعة وعاطفتها التي يغيب فيها التفكر والتروي والحس النقدي، فالمرء في أفقه الفردي يمتلك سمة الاختلاف والمغايرة والقدرة على التأمل والمراجعة و نقد الأفكار ولكن في انخراطه العاطفي مع الجمهور يأتلف مع قيم الجماعة بمطابقة وجدانية يسهل استثارتها وتعبئتها من قبل رموز اجتماعية فاعلة تستخدمه في التحشيد والتعبئة والتوجيه إذا ما أحسنت تلك الرموز من زعماء وقادة مخاطبة الجماهير واستثارة عاطفتها وإذكاء مخيلتها في استراتيجية براغماتية قائمة على التضليل والتمويه والتوجيه نحو مسارات مؤدلجة، وكأن الجمهور قد وقع أسيراً تحت سطوة تنويم مغناطيسي يستدعي المناطق المعتمة المستكنة في دهاليز النفس والقابعة في اللاشعور الجمعي مستثيرةً فيه الملامح البدائية من الطفولة الإنسانية في بعث الخرافات و إيقاظ الأساطير المؤسسة للمخيلة الجمعية للجماهير واستدعاء غرائز الخوف والتطرف في الاعتقاد وتخطئة الآخر المختلف وتأثيمه، فيسهل قياده وتوجيهه لاعتناق رأي والدفاع عنه بعنف وكأنه قد نوم مغناطيسياً. ويصدق هذا على جمهور كرة القدم وجماهير الأحزاب في الانتخابات والجماهير التي يتم تعبئتها وزجها للقتال والحرب في قضايا غير قضاياها وفي حروب عبثية غير مشروعة. هذا التفريق قد تبلور في كتاب (سيكولوجية الجماهير) للعالم الفرنسي (غوستاف لوبون)، فهو يشبه الفرق بين قيم الفرد وتصوراته منعزلاً وتصوراته بانخراطه مع الجمهور بالعناصر التي تمتلك حال انفرادها خصائص كيميائية مختلفة تماماً عن ائتلافها ضمن مركبات جديدة في تفاعلها الكيميائي. ويضرب مثالاً على ذلك ــ وقد يبدو صادماً ــ أن الطبيب في سلوكه الفردي وما يقدم من مشورة مهنية علاجية يمثل وعياً متقدماً ولكنه قد ينخرط مع سلوك الجماهير وطقوسها البدائية وعاداتها الفلكلورية فيستوي بذلك مع القصاب الذي يكون نصيبه متواضعاً من المعرفة والعلم. ومن بين أبرز القضايا التي تناولها (لوبون) في كتابه خطابات الزعماء المحركين للجماهير وكيفية توظيفهم للألفاظ في استماله عواطف الجمهور والسيطرة عليهم وتضليلهم. فالجماهير المخدوعة التي كانت وقوداً لنيران الحرب وأتون المعارك الدينية والقومية في أوربا في حروب وفتوحات (نابليون)، والجماهير التي كانت تقاتل من أجل تحرير قبر المسيح من (براثن الشرقيين الهمج) ـ في نعت الدعاية المضللة ــ في معارك الصليب لم يكن ليثنيها ألف برهان عقلي وألف دليل منطقي ليقنعها بزيف تلك الدعاوى وبطلانها إزاء خطاب حماسي واحد من زعيم يبجلونه يلهب وجدانهم و يثير فيهم مشاعر الكراهية والاحساس بالظلم العقائدي ويستعديهم تجاه الآخر، خطاب يلقى ببلاغة ساحرة تصطنع الهيبة والخشوع ويرتدي قناع الإيمان بقضايا الجمهور العامة، فانطلت على الجمهور الاطماع التوسعية الاستعمارية وبسط النفوذ القومي باسم الدين والعقيدة والوطن. فكم من دماء بريئة أريقت ظلماً باسم المقدس ! وكم من رموز وقادة تلاعبوا بعواطف الجماهير واحترفوا التمثيل والدجل معتمدين التكرار والتأكيد في القول والتلاعب اللفظي لما يمتلكوه من لباقة ومؤهلات في الخطابة وما يتمتعون به من هالة وهيبة في نفوس البسطاء وصلت حد التقديس والعبادة، فـ (لوبون) يفصل الأسباب النفسية من مخاوف وأحقاد وأهواء لدى الجمهور التي تدفعهم لتقديس الزعماء إلى حد العبادة وإطاعتهم طاعة عمياء وكأنهم أنبياء وقديسون جدد. بل إن هالتهم وهيبتهم في نفوس البسطاء في أحيان تغنيهم عن الحديث ومحاولة الإقناع، فحضورهم وحده وسط الجماهير هو (إيثوس) في مفهوم (أرسطو) يستغني عن الخطابة في الإقناع، حتى في غيابهم تمثل أيقوناتهم وصورهم حضوراً مهيباً ومبجلاً ومقدساً في نفوس البسطاء لأسباب سيكولوجية كثيرة فصلها (لوبون).
لقد وصل الأمر في الاهتمام بكتابه أن تلقي الكتاب تجاوز النظر الأكاديمي في أبحاث علم النفس الاجتماعي ليشمل اهتمام الزعماء والقادة السياسيين المنشغلين بالسيطرة على الجماهير وتضليلها، فتفكيك الخطابات العنصرية النازية لـ (هتلر) وتحليل لغة جسده ومراجعة سيرته الذاتية (كفاحي) التي كتبها بقلمه يؤكد أنه أفاد من كتاب (لابون) في تشكيل خطاباته التي ترتكز على تغذية الجماهير بمشاعر الكراهية والتفوق العنصري، وهو ما يصدق أيضاً في إفادة زعيم الفاشست الإيطالي (موسوليني) منه في خطاباته التوليتارية (الشمولية) مما ألحق نفوراً وعزوفاً عن تلقي الكتاب واستقباله من قبل بعض الأوساط الثقافية وأكسبه صيتاً سيئاً، بيد أن كثيراً من التيارات النقدية المعاصرة ولا سيما مدرسة (فرانكفورت) وفي طليعتها الناقد (أدورنو) أعادوا الاعتبار لهذا الكتاب. فالكتاب في دائرة النقد الحديث يمثل واحدة من حلقات تطور فكرة استقبال وتلقي النصوص لدى الجمهور. وإذا كانت فكرة الاستقبال تمثل في الخطاب النقدي منطلقاً في قراءة الكتاب فهل يمكن أن تتبلور منطلقات لسانية مغايرة في قراءة هذا الكتاب في نظر يقترب من الفكرة المركزية للكتاب المتمثلة في بناء الخطاب و كيفية التأثير في الجماهير ؟
لقد ولدت اللسانيات بنشر محاضرات (دي سوسير) بنسختها البنيوية عام 1916 ولكنها شهدت تحولات كبيرة وخضعت نظرياتها للتطور وأفرزت اتجاهات عديدة شملت اللسانيات الوظيفية والتوليدية ولسانيات تحليل الخطاب، فثمة بون واسع بين اللحظة الزمنية الثقافية لعصر (غوستاف لوبون) في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبين اللسانيات في مشهدها المتطور الراهن، لكن ما يشكله كتاب (لوبون) من أهمية وريادة في دراسة سيكولوجية الجمهور يجعله كتاباً تأسيسياً يحتم مراجعته ومقاربته مع نظريات حديثة للبرهنة على منزلته العلمية ولاختبار فاعليته الواقعية في تحليل الخطاب من خلال الموازنة والتعرف على تطور الأفكار التي كانت يهجس بها والتي خضعت بتطور البحث العلمي لمنوالات نظرية وأبعاد إجرائية مختلفة تؤكد فاعلية أفكاره وثبات كثير من نتائجها في فحص سيكولوجية الجمهور. ليس هذا فحسب بل المقاربة والتنقيب عن الروافد اللغوية ومرجعيات (لوبون) اللغوية غير المصرح بها يلتقي مع النظر الحفري في تحليل الخطاب لمعرفة تطور الأفكار والوقوف عند جذورها النظرية.
غالباً ما يكون تفاعل الجماهير وانجذاب مخيلتها للصورة ـ في نظر لوبون ـ أكثر منها للكلمة، لذلك فإن من يخاطب الجمهور من الزعماء الأذكياء يحرص كثيراً على توظيف الألفاظ في دلالتها ومعانيها الحسية غير التجريدية ليضمن انشدادهم، وهذا ما يعضده التحليل اللساني المستند على نظريات تحليل الخطاب، فالألفاظ التجريدية تستدعي حقلاً دلالياً إشكالياً يخضع المشكلة للتحليل والمناقشة والجدل نقيض المفردات الحسية في الخطابات التي لا تنفذ إلى عمق المشكلة وتعمد إلى تسطيح الأفكار، و هوما تؤكده أيضاً اللسانيات الإدراكية في دراستها للمعجم الذهني ومعالجة الدماغ للتراكيب، فالمعالجة العصبية اللغوية تكون أسرع في الجمل القصيرة ذات المفردات الحسية اليومية المألوفة في محيط المخاطب. وثمة كلمات يصعب تحديد معانيها بنحو دقيق، ويكون لها أكبر الأثر في تحشيد الجماهير واللعب بعواطفها بسبب اختلاف الرؤى والمرجعيات في الاصطلاح الجمعي على ما تحيل عليه من مدلولات سياسية أو اجتماعية، فهي لا تمثل وفاقاً في معظم الأحيان نحو مفردات : (الديمقراطية والاشتراكية، والمساواة، والحرية)،وهذا ما تصطلح عليه لسانيات التلفظ بـ (الإحالة المشتركة)، فكأنَّ هذه المفردات وصفة سحرية لمعالجة مشاكل كثيرة وعامة وتلامس أهواء الجماهير من دون أن تقترب من معالجة المشكلة بنحو دقيق، فغموض كثير من المفردات وهلاميتها ودلالاتها الفضفاضة يمنحها قوة وفاعلية في التأثير في الجمهور. وتبرز مشكلة ثانية هجست بها اللسانيات الاجتماعية ترتبط بالتنوعات اللغوية داخل المجتمع الواحد، فالمجتمع متنوع ومختلف بهمومه وتطلعاته ومشاكله وقضاياه، فليس من المناسب توظيف الألفاظ نفسها في مخاطبة أي جمهور، فالمجتمع وإن كان يتحدث اللغة نفسها ولكن بتنوعاته الطبقية والبيئية تتنوع أساليبه وألفاظه، فمن غير المناسب تعميم الخطاب دون مراعاة خصوصية البيئة المحلية أو التشكيل المهني أو الطبقي للجمهور المعنيين بالخطاب، ولكن خطاب التضليل المتلاعب بالأهواء ـ والتأكيد للوبون ـ يستعمل الألفاظ الأكثر اختلافاً، فهو يؤكد أن اللغة متطورة بحقبها الطويلة وبمراحلها الزمنية القصيرة نتيجة حركة المجتمع وتغيره مما ينعكس على اختلاف الألفاظ وتطورها بين بيئة وأخرى أو بين عصر راهن وآخر متقدم، فالحرص على توظيف مفردات معينة من المفردات التاريخية الموروثة دون الانتباه إلى دلالتها المتغيرة هو نوع من التلاعب ؛ يؤكد هذا (لوبون) في وقت متقدم على ظهور اللسانيات الجغرافية، فالأخيرة هي الثمرة العملية التطبيقية للسانيات الوصفية وعلم اللهجات والدراسات اللغوية التاريخية والمقارنة التي يمثل وضع الأطلس اللغوي هاجسها الرئيس، فالأطلس يتكفل بتتبع التوزيع اللغوي الجغرافي لاستعمال الكلمة وتغيراتها الدلالية والصوتية وتطور معانيها بين إقليم وآخر، فرصد تطور اللغات حاجة لسانية ملحة تستدعي وضع أطلس جديد غير الأطلس اللغوي المتقدم، والموارنة بين الأطلسين تمثل وسيلة مهمة لقياس التطور اللغوي وقياس تحول التفكير وتطور ثقافة المجتمع، فاللغة تشكل أهم محددات الفكر.
وفي نظر (لوبون) يمثل الشعور العاطفي المصاحب للأداء الصوتي الذي يحرص على تمثيل الخشوع نقول يمثل سطوة كبيرة في التأثير بالجمهور و تنحسر عنده قوة البرهان و الجدل العقلي المستند إلى الحقيقة الموضوعية ويتفوق عليها بكثير بسبب انفعال الجماهير لسحر الأصوات وجرسها الموسيقي النغمي، فقد نبه على عادة الزعماء في تمثيل الهيبة والخشوع في نطق ألفاظ محددة تدغدغ العصبية الاجتماعية وعقيدة الجمهور، وهذا ما توصلت إليه اللسانيات الأنثروبولوجية الوصفية الأمريكية في دراستها للغة الجسد، فهناك لسانيات شكلية تهتم بدراسة ألفاظ اللغة وتراكيبها وهناك (لسانيات مصاحبة) لها، فهذه الأخيرة تنظر في السلوك غير اللفظي المصاحب للسلوك اللغوي في لحظة إنشاء الخطاب وتفاعل الأفراد ضمن سياق الحال، ففي أحيان كثيرة يلعب السياق غير اللفظي المتضمن لدلالة التنغيم والنبر والمتضمن للغة الجسد دوراً حاسماً في قلب دلالة الألفاظ ومحمولات الخطاب اللغوية مثلما يحصل في ألفاظ السخرية إذ لا يمكن حملها على دلالتها الحرفية، فالمقام يمثل قرينة صارفة نحو معان ضمنية غير مباشرة، وهذا ما يسمى بـ (الاستراتيجية التلميحية) في تكوين الخطاب التي تقابل (الاستراتيجية التصريحية).
وتتفاوت المفردات في شحنتها الدلالية ومعانيها وظلالها النفسية والإيحائية، فثمة مفردات هي من الشيوع والألفة حد الابتذال في المخيلة الجمعية، فهي في نظر (لوبون) بمنزلة الأصوات والصراخ الفارغ من الدلالة إلا أن استعمالها في مخاطبة الجماهير يعفي قائلها من مسؤولية التفكير و التوضيح والتفصيل لمحمولات خطابه الإبلاغية. وهذا النظر عند (لوبون) يقترب من مفهوم (لسان الخشب)، ففي لسانيات تحليل الخطاب تسمى الخطب السياسية التي لا تتضمن محتوى إبلاغياً مؤثراً في الجمهور بـ (لسان الخشب) فهي تمثل أسلوباً رسمياً جامداً، فواحدة من شروط الخطاب هو أن يتضمن الإعلامية والإخبار عن وقائع مجهولة للمتلقين أو يتضمن تفسيراً ووجهة نظر منشئ الخطاب عن وقائع تستدعي تفسيراً أو أن يتضمن الخطاب جزءاً من الأفعال الإنجازية القولية التي تنعت بـ (الوعديات) أو (الالتزاميات) المستقبلية التي تتعهد للجمهور بإنجازات مستقبلية إزاء تحديات ومشاكل ما تقتضي حلولاً ومعالجات، ومحللو الخطاب في التمييز بين (الرواية الرسمية) للحكومة و الروايات غير الرسمية للحوادث يلجؤون إلى قياس حضور الذاتية في الخطاب من خلال وسائل إحصائية كمية للواسمات اللفظية التي تعبر عن وجهات النظر وقياس الدرجة الإعلامية أيضاً، وفي غياب كل ذلك يفقد الخطاب الحكومي حجاجيته في التأثير والإقناع، ويلجأ إلى الاقتصار على العموميات وتكرارها في حديثه مما يفقده ثقة الجمهور بقدرة الحكومات على المعالجة، واكتفاؤها بالشجب والإدانة و التعبير عن أسفها، أو يلجأ إلى إبقاء الحديث دائراً فيما لا يجهله الجمهور ولكن يضمنه صوراً استعارية وبلاغية توحي بالقوة والإحاطة والحزم. فثمة ورش لغوية خلف الكواليس تعكف على صناعة الخطاب وتنخرط في لعبة السياسة البراغماتية من خلال دراسة البدائل اللغوية الممكنة عن التعبير عن الفكرة الواحدة وانتقاء خيار تعبيري يظهر الأحزاب أو الحكومات بمظهر القوة والحرص على الجماهير مما يعد شكلاً من أشكال إساءة استعمال السلطة. وفي (لسان الخشب) يسهل وبدرجة كبيرة قياس رأي الجمهور وعدم تفاعلهم ضمن مفهوم (بلاغة الجمهور)، ففي مناهج تحليل الخطاب يُنظر إلى(بلاغة الجمهور) من خلال مفهوم (الاستجابة)، وهي غير (استجابة القارئ) الجمالية في نظريات القراءة الأدبية عند (ياوس) و(إيزر) التي تقوم على تلقي النص ضمن (أفق التوقع) وقبليات الفهم والتأويل، فـ (استجابة الجمهور) من منظور تحليل الخطاب تنظر في الموقف الذي يتخذه جمهور المتلقين من الحمولات الايديولوجية لخطابات السلطة إذعاناً وقبولاً أو رفضاً وممانعة، وقد تكون الاستجابة فعلاً معارضاً لا فعلاً قولياً، وقد تكون الاستجابة استجابة سلبية صامتة.
ويؤكد (لوبون) أن الجماهير قد تشعر بانقباض ونفور من معاني بعض المفردات بسبب صورتها التي تثيرها في نفوسهم أثر التحولات السياسية والانقلابات التي أفقدتها دلالاتها وصورتها القيمية التي يحملوها عنها، فهو ينصح رجال الدولة بانتقاء مفردات جديدة مع الحفاظ على المعاني المقصودة التي كانت تعبر عنها تلك الألفاظ، وهذا ما انتهى إليه التحليل اللساني في مباحث علم الدلالة وتفريقه بين معاني الألفاظ المركزية التي تعين مسميات الأشياء وبين المعاني الهامشية الحافة بتلك المعاني التي تضيف بعداً عاطفياً إيجابياً أو سلبياً نتيجة تجارب حياتية أو ما تخلفه ثقافة المجتمع من انطباعات عن مدلولاها التصوري، فالمعاني الهامشية ليس معان محايدة بل هي تتضمن أحكاماً قيمية محملة بالذاتية والانطباعات القبلية الأمر الذي ينبغي تجنبها مراعاة للتلقي في إنشاء الخطاب والاستعاضة عنها ببدائل تعبيرية غيرها تكافي المدلول المركزي غير الهامشي.
و يركز(لوبون) على الزمن بوصفه العامل الأساس لتغير اللغة ولكنه يؤكد تغيرها بتغير العرق البشري إلى جنب تشخيصه بكونها متغيرة بتغير الزمن وبتنوع الطبقات الاجتماعية، ويضرب مثالاً على ذلك بأنه يجد في فترة واحدة ولدى شعوب متحضرة تتضمن أعراقاً مختلفة يجد أن استعمالهم للكلمات المتماثلة في اللفظ يدل غالباً على أفكار مختلفة تماماً بينهم. وللتدليل على ذلك يلجأ إلى الفطرة والانطباع المؤسس على الرحلات ومعايشة المجتمعات، فهو يؤكد أن التصور اللاتيني (الفرانكفوني) للمفردات يختلف عن الروح الأنكلوسكسونية، فكلمة (ديمقراطية) عند اللاتين تدل على انمحاء الإرادة وغياب حس المبادرة الفردية والتبعية للدولة وغياب الروح الفردية. فالدولة تضطلع بمسؤولية القيادة والمركزية في سياسة الأمور، لذلك فالمفردة توظف ــ في الفترة المعاصرة للوبون ــ عند جميع الأحزاب الراديكالية والاشتراكية والدستورية الملكية ؛ بينما المفردة نفسها لدى الانكلوسكسون وتحديداً في أمريكا تعني تنمية الإرادة الحرة للفرد، فالدولة ترعى قطاعات الأمن والدبلوماسية الخارجية فحسب. والجدير بالذكر أن هذه المفردة في عصرنا الراهن قد طرأ عليها تحول كبير يختلف عن استعمالها عند الشعوب الذي تحدث عنهم (لوبون)، ولكن تأكيده بأن الخطاب ينبغي أن يراعي تصورات الجمهور وبرهنته على اختلاف اللغة باختلاف العرق هو أمر برهنت عليه النظريات اللسانية الأمريكية الوصفية في نزعتها الأنثروبولوجية من خلال التحليل التقابلي والمسح المعجمي الوصفي التي تمخضت عنه نظرية (ادوارد سابير) و(بنيامين لي وورف)، فلكل لغة نظام تمثيلي يختلف عن اللغة الثانية في تصوره للأشياء والكون، فالشخصان اللذان يتحدثان بلغتين مختلفتين لن يفكرا بطريقة واحدة، فهناك محددات لغوية تحتم على الناطق بلغة ما أن يفكر بأطر وقوالب ذهنية تختلف عن الأطر والقوالب الذهنية للغة المختلفة عن لغته، فاللغة ليست وسيطاً حيادياً بين الأفكار والتصورات وبين ما تعبر عنه من موضوعات خارجية ووقائع، فهي تعيد تشكيل انطباعاتنا حول الشيء وتبني تمثلات تناسب خصوصية اللسان والثقافة، وهذا ما تؤكده أيضاً اللسانيات الإدراكية في نظرية الاستعارة التصورية لـ (جورج لايكوف) و(مارك جونسون)، فاللغة ليست نظاماً تشفيراً رمزياً يوازي موضوعاً خارجياً يحيل إليه بل هي نظام تفكير وعقل استدلالي يتمايز بين ثقافة وأخرى.
إنّ الكثير من تصورات (لوبون) المتعلقة بجدلية اللغة وسيكولوجية الجمهور التي تقدم الحديث عنها في وفاقها مع التفكير اللساني يمكن عزوها إلى جذور واحدة استقت منها اللسانيات وامتاح منها (لوبون) أيضاً، فمن المؤكد أنه أفاد من معطيات البحث اللغوي الفيلولوجي، فهذا الحقل العلمي معني بدرجة كبيرة في النظر في الأبعاد التأثيلية للألفاظ وأصولها الاشتقاقية وتغير معانيها ويهتم بجوانب تأويلية تتعلق بفهم نصوص قديمة كالملاحم الشعرية والأساطير التي يصعب فهمها بسبب تطور اللغة وتغير دلالة الألفاظ والتراكيب، وإن كان النظر اللغوي في البحث الفيلولوجي ليس غاية وهدفاً لذاته كما هو حال اللسانيات، فالفيلولوجيا تنظر للغة بوصفها وسيلة للنفاذ إلى ثقافة الشعوب القديمة وفولكلورها من خلال تحليل ما غمض من نصوصها التأسيسية كالملاحم وهو ما ينسجم مع تخصص (لوبون) المعنى بدارسة حضارة الشعوب، وصحيح أن البحث اللساني يختط لنفسه طريقاً منهجياً ومنوالاً نظرياً غير المنوال الفيلولوجي بيد أن البعد التأثيلي وتغير دلالة المفردات في النظر الفيلولوجي أسهم إلى حد كبير في قضايا النظر اللغوي التاريخي والمقارن والتمييز بين النظر السايكروني التزامني والبعد التعاقبي التاريخي للغة الذي لا يشف عن جوهر النظام. وفي مجال تغير اللغة وتأثرها بالعرق الاجتماعي عند (لوبون) وموازنته باللسانيات النسبية الوصفية تتأكد فرضية وحدة الروافد المعرفية، فثمة نظرية سائدة في القرن الثامن عشر عند الفلاسفة ودارسي الحضارة الإنسانية مثل الفيلسوف الألماني (همبولت) و(هيردر) تتخلص بأن اللغة تتأثر بالعقل الجمعي الناطق بها وهناك تأثير متبادل بين اللغة والفكر، فقد تأثر (لوبون) بهذه النظرية وتأثرت بها اللسانيات الوصفية الأمريكية عند (إدورد سابير) و(بنيامين لي وورف)، غير أن اللسانيات الوصفية غادرت تبني الفكرة على المستوى النظري إلى البرهنة عليها من خلال تحليل لغات كثيرة تختلف في تمثلاتها للزمن واللون. ليس هذا فحسب بل لا نستبعد تأثره بالموروث اليوناني ومنجزه في فلسفة اللغة من خلال تنظيرات (أرسطو) في كتابه فن الشعر وفي مصنفه الخطابة، فـ (أرسطو) في تقسيمه لأنواع الاقناع ميز بين (اللوغوس) المتمحور على البرهان العقلي والحجة المنطقية، و(الباثوس) وهو الإقناع الذي يوظف عواطف الجمهور واستثارة حس الخوف أو الشفقة أو الحزن، و(الإيثوس) أي الاقناع الذي يستند إلى هالة الخطيب وهيبته الشخصية وثقة الجمهور به أقول إن (أرسطو) في تقسيمه الثلاثي أولى النوعين الأخيرين (الباثوس، والإيثوس) أهمية كبيرة في استمالة الجمهور، و(لوبون) استبعد العنصر الأول تماماً من سيكولوجية الجمهور ليركز على الأخيرين. وعلى الرغم من تطور نظريات تحليل الخطاب ومقاربتها لبلاغة الجمهور ضمن طروحات(شاييم بيرلمان) في البلاغة الجديدة ونظريات الحجاج التداولية إلا أن جذوراً تراثية يونانية فلسفية مثلت روافد معرفية قد خضعت للصيرورة الجدلية فتمخضت عنها تلك الأفكار المتطورة في حقل تحليل الخطاب، فوحدة الروافد التراثية اليونانية يفسر بنحو يبعث على الاطمئنان التقارب الكبير بين طروحات (لوبون) ومسائل الفكر اللساني في بناء الخطاب وتلقيه والتأثير المتبادل بين اللغة والمجتمع.
*باحث وتدريسي بجامعة بغداد
