برزاني في دمشق.. استجابة لمتغيرات المنطقة وضغط الجغرافيا
محللون يفسرون أهميتها
الرئيس السوري أحمد الشرع يجتمع مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان برزاني – 3 آب 2026 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)
عنب بلدي – ركان الخضر
تطرح زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان برزاني، إلى سوريا، في 3 من آب الحالي، تساؤلات عدة حول أهميتها ودلالاتها وأسرار توقيتها في ظل عدة ملفات مشتركة تجمع الطرفين.
تناولت الزيارة الأولى لبرزاني منذ تولي الحكومة السورية الجديدة العلاقات بين الجانبين وسبل تعزيز التعاون والتنسيق، ولا سيما في المجال الاقتصادي، خلال اجتماع مع الرئيس السوري، أحمد الشرع، في قصر “الشعب” بدمشق.
وناقش الاجتماع مستجدات الأوضاع في المنطقة، وعددًا من القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما يسهم في دعم الأمن والاستقرار وتعزيز التعاون الإقليمي، بحسب ما ذكرته “الرئاسة السورية” عبر معرفاتها الرسمية.
وأشار الرئيس السوري عقب اللقاء في تدوينة عبر منصة “إكس”، إلى أهمية تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع آفاق التعاون بين الجانبين.
وأوضح أن اللقاء تناول سبل تطوير التعاون بما يخدم مصالح الشعبين، ويسهم في تحقيق مزيد من الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأشاد الشرع بالتجربة التي يشهدها إقليم كردستان العراق في مختلف المجالات، مؤكدًا أهمية مواصلة العمل المشترك انطلاقًا من الروابط الأخوية وحسن الجوار.
كما قال برزاني بعد اللقاء، إن سوريا والعراق وإقليم كردستان تجمعهم مصالح مشتركة عديدة، كما تتوفر فرص كبيرة لتوسيع التعاون الاقتصادي بما يحقق المنفعة المشتركة لشعوبهم.
مصلحة مشتركة في تعزيز التعاون
يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان أن إقليم كردستان العراق لديه أهداف كبيرة جدًا من تعميق علاقته مع سوريا، من ناحية تعزيز التنسيق الأمني والدفاعي، بالتزامن مع الانسحاب الأمريكي من المنطقة، خاصة بعد الضربات التي تعرض لها الإقليم من إيران خلال الصراع الدائر بين أمريكا وإيران.
وقال علوان، إن أربيل تريد إيصال رسالة إيجابية لحلفاء سوريا الجديدة، من خلال تعزيز علاقاتها مع دمشق ودعم مسار استقرار سوريا، كمبادرة لكسب ود كل من يقف داعمًا لدمشق ويراهن على استقرار المنطقة بناء على استقرار سوريا، سواء على مستوى الإقليم أو العالم.
ويعتقد الباحث علوان أن دمشق تملك هي الأخرى مصالح كبيرة في تحسين علاقاتها بإقليم كردستان العراق، لما يملكه قادة الإقليم من تحالف تاريخي مع الحكومة التركية التي تقيم علاقات جيدة مع سوريا، خاصة في ظل الحاجة للتنسيق المشترك في مكافحة الإرهاب، وذلك لقدرة عائلة برزاني على توجيه الكرد على مستوى المنطقة كاملة، ومنهم كرد سوريا.
وأضاف أن الإقليم يستقبل السوريين منذ سنوات النزوح واللجوء إلى دول الجوار، ما يؤكد أهمية فتح قنصلية سورية في أربيل وتنسيق عودة اللاجئين، بالإضافة إلى ضرورة التنسيق في مكافحة تنظيم “الدولة الإسلامية”.
من جهته، يعتقد الباحث في “المركز الكردي للدراسات” الدكتور طارق حمو، أن إقليم كردستان يولي تعزيز العلاقات مع الحكومة السورية أهمية كبرى، مشيرًا إلى أن أربيل أجرت اتصالات على أعلى المستويات مع المسؤولين السوريين منذ سقوط نظام الأسد وتشكيل الحكومة السورية الجديدة.
وأوضح حمو أن العلاقات مهمة للجانبين، نتيجة الترابط الجغرافي وامتلاك الطرفين معابر وبوابات يمكن الاستفادة منها تجاريًا، كما يستطيع الإقليم أن يستفيد من المنطقة في تصدير النفط عبر المواني السورية، بالإضافة إلى التداخل الديموغرافي بين العائلات الكردية في سوريا وكرد العراق، وهو ما يجعل الإقليم مهتمًا بأوضاع الكرد في سوريا.
دور الإقليم في اتفاق “الدمج”
جاءت زيارة برزاني إلى دمشق في ظل تحركات متسارعة لاستكمال اتفاق “الدمج” الموقع بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في 29 من كانون الثاني الماضي، ورغم عدم تطرق البيان الرسمي إلى مسألة الاتفاق، فإن المتحدث باسم رئاسة إقليم كردستان، دلشاد شهاب، صرح لوسائل الإعلام أن اجتماعًا ثنائيًا سيجمع الشرع وبرزاني بعد اللقاء الموسع، لمناقشة ملف الاتفاق بين الحكومة و”قسد”.
وأشار شهاب إلى أن برزاني سيواصل دوره كطرف مساعد في تنفيذ الاتفاق، مع احترام خصوصية الدولة السورية، باعتبار الملف شأنًا سوريًا داخليًا.
ونوه إلى أن دور الإقليم في الملف “يندرج ضمن دور الإقليم الفاعل في قضايا المنطقة”، مبينًا أن الرئيس السوري أعرب عن شكره لإقليم كردستان على الدور الذي لعبه خلال الأحداث الماضية.
كما ذكرت وكالة “فرانس برس” نقلًا عن مصدرين سوريين رسميين، أن لقاء برزاني والشرع سيركز على دفع تطبيق اتفاق دمج المؤسسات الكردية في إطار الدولة، تنفيذًا للاتفاق الموقع بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).
الباحث طارق حمو أشار إلى أن أربيل تحمل توجهًا بأن يقبل كرد سوريا الحوار مع دمشق، وأن يندمجوا في الدولة السورية ويصبحوا جزءًا من مؤسساتها، كما هي الحال في العراق بين الإقليم والحكومة المركزية من خلال المشاركة في الوزارات الحكومية مع اختلاف الحالتين، إذ يتمتع الإقليم بحكم ذاتي، ويمتلك علَمًا وحكومة وقوات محلية، بينما يختلف الوضع في سوريا بعد اتفاق 29 من كانون الثاني الماضي، الذي سيفضي إلى حل “قسد” و”الإدارة الذاتية” بعد الاندماج ضمن المؤسسات الحكومية السورية.
ويعتقد حمو أن دمشق رحبت بزيارة برزاني انطلاقًا من المصالح المشتركة، كما أن تغريدة الشرع المرحبة بالزيارة باللغة الكردية، كان لها وقع إيجابي في الأوساط الكردية.
وأشار إلى ارتباط الزيارة بلقاء الشرع وعبدي في اليوم التالي، الذي سُربت عنه معلومات بأن الاندماج في مراحله الأخيرة، منوهًا إلى أن علاقات الجانبين ستتطور بوجود الكرد مندمجين وفاعلين ضمن الحكومة السورية.
من جانبه، أوضح الباحث وائل علوان أن أربيل تملك دورًا مهمًا في اتفاق “الدمج” الموقع بين الحكومة السورية و”قسد”، مشيرًا إلى أن دمشق تحتاج إلى ممارسة ضغط من الإقليم لتسريع استكمال الاتفاق، مع تأخر الإعلان الرسمي عن حل “قسد”.
ونوه إلى أن تفكيك “قسد” يمثل مصلحة مشتركة بين الجانبين، خاصة مع وجود بعض التنظيمات الموالية لـ”قسد”، كـ”الشبيبة الثورية” التابع لحزب “العمال الكردستاني” والموالي لإيران، بالإضافة إلى بعض المجموعات الأخرى التي تملك علاقات مع طهران، الأمر الذي يجعل استمرارها يشكل تهديدًا أمنيًا على الطرفين.
علاقة الزيارة بالتطورات الإقليمية
لم يغب التصعيد الإقليمي الدائر في المنطقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عن مباحثات الطرفين، في ظل مواقف مسبقة تكاد تكون موحدة، تؤكد ضرورة تغليب لغة الحوار والدبلوماسية.
ورغم تعرض الطرفين لعمليات استهداف عسكري من قبل المجموعات العراقية المسلحة التابعة لإيران، فإن دمشق وأربيل لم تنجرا إلى الصراع أو الرد على هذه المجموعات.
الباحث وائل علوان يرى أن زيارة برزاني تندرج ضمن تغيرات متسارعة في المنطقة، في ظل تصاعد المشكلات التي تعصف بالإقليم ومنها التهديد الإيراني المتواصل لدول المنطقة، بالإضافة إلى التهديدات الأمريكية المستمرة بالعودة إلى حديث الحرب.
وتشكل الزيارة، بحسب علوان، استجابة طارئة للتنسيق الأمني ما بين دول المنطقة في ظل تسارع الأحداث الأمنية والتحركات العسكرية، وضرورة تفكيك ميليشيات ما دون الدولة في العراق والحد من نفوذ “حزب الله” في لبنان، لما تمثله هذه الخطوات من فرض لحالة الأمن والاستقرار على مستوى المنطقة ككل وليس على مستوى جغرافي محدود.
وأوضح علوان أن التطورات الإقليمية جعلت أربيل بحاجة أكبر إلى تعميق علاقاتها مع تركيا وسوريا، مشيرًا إلى أن التنسيق الأمني مع دمشق سيحمل أثرًا كبيرًا على المستوى الميداني.
كما أن تطور العلاقة بين الحكومتين السورية والعراقية، وفق علوان، يمثل فرصة للإقليم من أجل بناء تنسيق أمني ودفاعي مشترك لعدو واحد، يتمثل في الميليشيات التي لا تزال تعمل لمصلحة إيران في العراق.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
