حذف الأصفار لسحب الأموال المنهوبة ومعالجة الرواتب.. خبراء يحذرون من “مكياج”
بغداد – 964 يناقش خبراء اقتصاد ومال، اقتراحات لحل أزمة السيولة وتأخر الرواتب التي يعاني منها العراق، أبرزها تغيير العملة وحذف أصفار من الدينار العراقي، أو إدراج فئات نقدية إضافية تتناسب مع التوسع الملحوظ في حجم الكتلة النقدية المتداولة، لكنهم يتفقون عند نقطة تؤكد أن هذه الإجراءات في المعادلات الاقتصادية هي حلول شكلية "أشبه بالمكياج" قد تعالج الأعراض لا أسباب المشكلة، محذرين من أن الثروات الكبرى المنهوبة غالباً لا تبقى على شكل نقد محلي يمكن تتبعه، بل تكون قد تحولت إلى عقارات وأصول خارجية وحسابات في ملاذات مالية آمنة، وبالتالي هي محصنة ضد إجراءات الحكومة الداخلية. ويدعو الخبير المالي نبيل العبادي، إلى ضرورة عدم التعامل مع مقترح تغيير العملة الوطنية بوصفه إجراءً فنياً أو نقدياً منفرداً، مبيناً أن هذا الملف يمثل انعكاساً لعمق الأزمة الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن الإصلاحات المالية والنقدية والاقتصادية المطلوبة. ويضيف في تصريح للصحيفة الرسمية، تابعته شبكة 964، إن تغيير العملة ليس حلاً بحد ذاته، وإنما مرآة تعكس حالة الاقتصاد، محذراً من الخلط بين معالجة الأعراض ومعالجة أسباب المشكلة. ويوضح العبادي، أن حذف الأصفار، باعتباره السيناريو الأكثر تداولاً، يمثل في جوهره إعادة تنظيم للوحدات النقدية وتبسيط للعمليات الحسابية والمحاسبية، من دون أن يعني بالضرورة زيادة القوة الشرائية للمواطن أو ارتفاع القيمة الحقيقية للعملة، مشيراً إلى أن تغيير العملة لا يمكن التعاطي معه كأداة لاسترداد الأموال المنهوبة بل قد يتحول في بعض السياقات إلى سلاح ذي حدين إذا لم يدار ضمن منظومة إصلاح شاملة. ويحذر من أن الثروات الكبرى المنهوبة غالباً لا تبقى على شكل نقد محلي يمكن تتبعه، أو تكون هاجرت منذ وقت طويل إلى عقارات وأصول خارجية وحسابات في ملاذات مالية آمنة، مبيناً أن تحولها يجعلها محصنة إلى حد كبير ضد أيّ إجراءات نقدية داخلية. ويتابع: "أن التحدي الأكبر في مثل هذه الإجراءات يتمثل في إدارة المرحلة الانتقالية، لا سيما ما يتعلق بالتوقعات النفسية في السوق وإمكانية استغلال بعض التجار والمضاربين لفترة التحول لرفع الأسعار تحت ذرائع مختلفة، الأمر الذي قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية ويبدد الفوائد الإدارية المتوقعة من عملية حذف الأصفار، مشدداً على أن نجاح أي خطوة بهذا الاتجاه يتطلب وجود استقرار نقدي واقتصادي راسخ قبل تنفيذها، وليس اعتبارها وسيلة لتحقيق ذلك الاستقرار. ويؤكد أن جوهر قوة العملة لا يرتبط بشكلها أو عدد الأصفار التي تحملها، وإنما بقوة المؤسسات والاقتصاد الذي تستند إليه. ويرهن العبادي أي مشروع لتغيير العملة بإصلاح مالي حقيقي يحد من الاختلالات المزمنة في الموازنة العامة، إلى جانب تعزيز استقلالية البنك المركزي وضمان قدرته على إدارة السياسة النقدية بعيداً عن الضغوط المالية، فضلاً عن بناء اقتصاد إنتاجي قادر على تنويع مصادر الدخل وتوليد النقد الأجنبي، موضحاً أن العملة القوية هي انعكاس لاقتصاد قوي وليست صانعة له. ويخلص إلى أن معالجة الاختلالات الاقتصادية تتطلب الانتقال من الحلول الشكلية إلى إصلاحات جوهرية تشمل المالية العامة، والقطاع المصرفي، والإنتاج والاستثمار، وتنويع مصادر الإيرادات، مفيداً بأن تغيير العملة من دون إصلاح هذه الملفات قد يتحول إلى إجراء مكلف ومربك للمواطن والسوق، من دون أن يعالج أصل المشكلة الاقتصادية. الباحث في الشأن الاقتصادي، عماد المحمداوي، يعد مقترح تغيير العملة أو إصدار فئة نقدية جديدة لسحب الأموال غير المشروعة من التداول، مقترحاً إيجابياً نظرياً، مستدركاً أنه غير كافٍ للحد من الفساد أو تعويض النقص الحاصل في السيولة. ويوضح المحمداوي، أنه من الناحية الاقتصادية فإن المشكلة ليست في شكل العملة، إنما في كيفية اقناع حائزي الأموال الكبيرة، على كشف مصدرها عند استبدالها، مبيناً أنه إذا تم تغيير العملة من دون إجراءات تدقيق مصرفي وضريبي صارم، يستطيع أصحاب الأموال غير المشروعة استبدالها مثل بقية المواطنين، وبالتالي تضيع الغاية الأساسية من المشروع. ويضيف، أن هناك عدم إجماع مع المقترح، لأسباب عدة في مقدمتها، التردد من أن يتحول الإجراء إلى أداة لتجميد الأموال المشروعة إذا لم تتبع الآليات المحددة والموضحة لإثبات مصدر الأموال، فضلاً عن احتمالية استغلال بعض الثغرات من قبل شبكات الفساد للتحايل قبل بدء الاستبدال، يرافق ذلك تأثيرها في النظام النقدي للمواطنين، إذا تمت بشكل مفاجئ، ناهيك عن كلفة استبدال العملة وتعقيداتها. ويرهن تحويل تلك المقترحات إلى أدوات فاعلة بمرافقتها لنظام يلزم بإيداع المبالغ الكبيرة في البنوك، والتحقق من مصادرها وربطها بالبيانات المصرفية والضريبية، مع منح فترة زمنية للاستبدال، والعمل الجاد للكشف عن مصدر الأموال. وينبه إلى أن تغيير العملة ومعرفة الأموال غير المشروعة وتبديل الأوراق النقدية، لا يحل الأزمات مالم ترافقه منظومة رقابية قادرة على كشف مصدر الأموال وملاحقة أصحابها، مستدركاً أنه يمكن أن يكون فرصة لتنظيم الكتل النقدية، وإدخال الأموال المتداولة خارج الجهاز المصرفي إلى النظام المالي الرسمي، من خلال وضع قواعد واضحة وشفافة. ويشير إلى أن عدم الإجماع على المقترح لا يعني رفضه، إنما يتطلب الأمر وضع ضمانات قانونية ومصرفية ورقابية، ومنظومة متكاملة للكشف عن المتلاعبين بالمال العام والفاسدين، ومعرفة مصدر الأموال قبل منحه الشرعية، مؤكداً أنه في حال توفر الشروط فسيكتسب المشروع أهميته والغاية التي وجد من أجلها.