الخميس، 6 أغسطس 2026

يدخل العراق مرحلة سياسية وأمنية أكثر حساسية مع إعلان بغداد عزمها حصر السلاح بيد الدولة والتلويح بتطبيق قانون مكافحة الإرهاب على أي نشاط مسلح خارج إطارها بعد 30 أيلول سبتمبر 2026، وبينما يرى مراقبون أن القرار يبعث برسائل طمأنة إلى دول الجوار، يحذر آخرون من أن ترجمة هذه المواقف إلى إجراءات عملية ستواجه تعقيدات داخلية تجعل الحسم مع الفصائل المسلحة بالغ الصعوبة.

وخلال اجتماعه في وقت متأخر من أمس الأربعاء، أكد ائتلاف إدارة الدولة، دعمه لملف حصر السلاح بيد الدولة، محذراً من أن أي نشاط مسلح وعدوان على الجوار بعد 30 أيلول سبتمبر، سيعامل وفق قانون مكافحة الإرهاب.

تحديد الاصطفافات

وتعقيباً على ذلك، يقول الباحث في الشأن السياسي رمضان البدران، خلال حديثه لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس (6 آب أغسطس 2026)، إن “اجتماع ائتلاف إدارة الدولة في هذا التوقيت وإصداره قرارات حاسمة كان خطوة ضرورية، لما يحمله من رسائل سياسية موجهة إلى المجتمع الدولي ودول الجوار، تؤكد أن الحكومة العراقية لا تتبنى أو تدعم أي اعتداء يستهدف الدول المجاورة، بل ترفض مثل هذه الأعمال بشكل واضح”.

ويضيف، أن “العراق يمر بمرحلة دقيقة على المستويين السياسي والاقتصادي، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي والتوترات القائمة بين إيران وعدد من الدول العربية، ما يجعل من الضروري أن يكون موقف بغداد واضحاً ومتوازناً، وأن تحدد اصطفافاتها بما يحفظ مصالحها الوطنية ويجنبها تداعيات الصراعات المحيطة”.

ويؤكد البدران، أن “هذه المواقف تمثل رسالة مباشرة إلى دول الجوار بأن تصرفات الفصائل المسلحة لا تعبر عن موقف الدولة العراقية”، معتبراً أن “تأكيد بغداد رفضها لهذه التجاوزات يعد خطوة مهمة لحماية موقع العراق الإقليمي، ومحاولة احتواء التداعيات السياسية والدبلوماسية التي قد تنجم عنها”.

خارجون عن القانون

وأكد ائتلاف إدارة الدولة، أمس الأربعاء، بحسب بيان ورد لـ”العالم الجديد”، دعمه لمواصلة الجهود لحفظ الأمن والاستقرار، والجهود الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة وفقاً للمنهاج الوزاري الذي صوت عليه مجلس النواب، وأصبح قانوناً نافذاً، ومنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار أو زج العراق في صراعات لا تخدم مصالح شعبه.

وعد الائتلاف أن “من يقوم بهذا السلوك، إنما يرتكب جريمة تهديد أمن البلاد، وسيكون من بين الخارجين عن القانون الذين يجب محاربتهم”، داعياً إلى “الالتزام بتوقيتات خطوات حصر السلاح بعد 30 أيلول 2026، والتي سيتم التعامل بعدها بقانون مكافحة الإرهاب مع أي سلوك مسلح خارج اطار الدولة”.

تهديد الدولة

من جهته، يرى المحلل السياسي نزار حيدر، خلال حديثه لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس، أن الموقف الصادر عن ائتلاف إدارة الدولة لا يشكل مفاجأة، لا سيما مع وجود ثمة توجه داخل المؤسسة القضائية لإقرار وثيقة قانونية تعتمد مبدأ التعامل مع الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة بوصفها تنظيمات إرهابية، معتبراً أن ما صدر عن الاجتماع بحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى ينسجم مع هذا المسار.

ويضيف، أن “هذا التوجه يمثل الخيار الوطني الأنسب لمعالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة”، مؤكداً أن استمرار وجود جماعات مسلحة خارج المنظومة الرسمية بات يشكل تهديداً لمؤسسات الدولة والدستور والقانون، فضلاً عن إرباك عمل الأجهزة الأمنية والاستخبارية، في ظل إخفاق الحكومات المتعاقبة في حسم هذا الملف بشكل جذري.

ويتابع، أن “استمرار التعامل مع السلاح خارج سلطة الدولة بهذه الصيغة يهدد مصالح العراق السياسية والاقتصادية، ولا سيما في وقت تسعى فيه الحكومة إلى بناء شراكات استثمارية وتنموية مع الولايات المتحدة ودول الخليج ودول أخرى، ونجاح هذه الشراكات يتطلب بيئة مستقرة وآمنة، وهو ما لن يتحقق، من دون حصر السلاح بيد الدولة”.

تنظيمات إرهابية

ويؤكد حيدر، أن الدولة قد تكون وصلت إلى “الخيار الأخير” في التعامل مع هذه الجماعات، مستندة إلى دعم قضائي ومؤسساتي، معتبراً أن تصنيف الفصائل التي تواصل حمل السلاح خارج إطار الدولة بوصفها تنظيمات إرهابية يمثل خطوة ضرورية لحماية المصالح الوطنية، لأنها ـ بحسب وصفه ـ تنتهك الدستور وتعرض أمن العراق واستقراره للخطر.

ويخلص إلى أن استقرار العراق وتحقيق التنمية الاقتصادية، وإنجاح مشاريع الاستثمار والصندوق الوطني للتنمية، يبقى مرهوناً بإنهاء ظاهرة السلاح خارج سلطة الدولة، وإخضاع جميع القوى المسلحة لسلطة المؤسسات الرسمية.

وكان الزيدي بعد يوم من إعلان السعودية استهدافها بمسيرات انطلقت من قبل الأراضي العراقية، في 28 تموز يوليو الماضي، أكد رفضه القاطع لأي تهديد أو اعتداء ينطلق من الأراضي العراقية باتجاه دول الجوار، مؤكداً تشكيل لجنة أمنية مشتركة تتولى وضع اليات تمنع تكرار مثل هذه الحوادث أو أي خروقات مستقبلية.

إلا أن المشهد شهد تصعيداً جديداً فجر الأربعاء من الأسبوع الماضي، بعدما أعلنت “سنتكوم” تنفيذ مقاتلات أمريكية وسعودية ضربات دقيقة استهدفت مواقع للأسلحة والإمدادات اللوجستية في مناطق عدة من شرقي العراق، وقالت إن تلك المواقع تعود لفصائل مرتبطة بإيران، وحملتها مسؤولية الهجمات التي استهدفت السعودية.

وأعقب تلك الضربات إلغاء الزيارة التي كانت مقررة لرئيس الوزراء إلى السعودية يوم الخميس الماضي، أي بعد يوم واحد فقط من تنفيذ الضربات، قبل أن تعيد الوساطات فتح قنوات التواصل وتمهد، بحسب المعلومات، لاستئناف الزيارة مجدداً.

مواجهة مفتوحة

لكن مدير المركز العربي الأسترالي للدراسات الاستراتيجية أحمد الياسري، يجد من جهته، أن اجتماع ائتلاف إدارة الدولة جاء، في إطار احتواء التوترات الداخلية أكثر من كونه مقدمة لاتخاذ إجراءات حاسمة بحق الفصائل المسلحة، معتبراً أن “الرسالة الأساسية للاجتماع موجهة إلى الأطراف الإقليمية والدولية لإظهار قدرة الحكومة على إدارة الأزمة داخلياً”.

ويرى الياسري، في حديث مع “العالم الجديد”، أن “المضي في مواجهة أمنية مباشرة مع الفصائل يبقى خياراً بالغ الصعوبة، نظراً لما تمتلكه من نفوذ سياسي وتمثيل برلماني وحكومي، فضلاً عن انتشارها في مناطق ذات حساسية أمنية، الأمر الذي يجعل أي صدام معها بمثابة مواجهة داخل بنية النظام السياسي نفسه، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الداخلي”.

ويشير إلى أن “الحكومة تبدو أكثر ميلاً إلى اعتماد وسائل غير مباشرة للحد من نفوذ الفصائل، من خلال فتح ملفات الفساد والضغط المالي، بدلاً من اللجوء إلى الحلول العسكرية، في محاولة لتقليص نفوذها تدريجياً من دون الانزلاق إلى صراع مفتوح قد يهدد استقرار البلاد”.

ويضيف الياسري، أن العراق يواجه أزمة داخلية معقدة تتجاوز التحديات الخارجية، تتمثل في وجود قوى سياسية وأمنية متداخلة المصالح، تسعى إلى إدارة توازنات السلطة أكثر من إصلاح مؤسسات الدولة.

ويعتبر الياسري، أن أي مواجهة مباشرة قد تقود إلى تداعيات خطيرة، تشمل اضطرابات أمنية، واستهداف البنى الاقتصادية، وتهديد قطاع النفط والمطارات، وربما إعادة إنتاج حالة الانفلات الأمني، ما يدفع جميع الأطراف إلى مواصلة سياسة الضغوط المتبادلة والتسويات المرحلية بدلاً من الحسم.

واستضاف رئيس الوزراء علي الزيدي، أمس الأربعاء، الاجتماع الدوري السابع والثلاثين لائتلاف إدارة الدولة، بحضور رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، ورئيس إقليم كردستان العراق، وقادة الائتلاف من القوى العراقية، واستعرض في مستهل الاجتماع، جهود تعزيز الأمن والاستقرار، وتحسين الخدمات، وتنفيذ المنهاج الوزاري، ومواجهة التحديات الاقتصادية والمالية.