من الغريب أن حيواناً لا يحرث الأرض، ولا يحرس البيوت، ولا يقود قطيعاً، ولا يساعد الإنسان على الصيد، استطاع أن يحتل هذه المكانة في خيال البشر؛ دخل فلسفتهم، وعلومهم، ورواياتهم، ولم يكتفِ بأن يعيش إلى جوارهم.
ففي لحظات مفصلية، ظهرت القطط على هامش قصة أكبر؛ فهذا فيلسوف يعيد التفكير في الوعي بسبب قطته، وذلك عالم تبدأ رحلته مع الكهرباء بعد شرارات قفزت من فرو قط، وهنا فيزيائي يختار قطاً ليشرح واحدة من أعقد مشكلات العلم، وهناك روائيّ يجعل القطط تعبر بين الواقع والحلم كما لو كانت تعرف الطريق منذ البداية.
لقد امتلكت القطط شيئاً يصعب تعريفه، لكن تسهل ملاحظته: حضوراً يثير فضولاً وأسئلة.
فكيف حدث ذلك؟
حين جعلت قطة فيلسوفاً يشك في نفسه
في أواخر القرن السادس عشر، كان الفيلسوف الفرنسي ميشيل دو مونتين يحاول حل معضلة فلسفية كبرى عندما كان يلعب مع قطته، حين خطر له سؤال سيعيش أطول من كثير من الكتب التي كُتبت في عصره: "عندما ألعب مع قطتي، كيف أعرف أنها ليست هي من تلعب بي؟"
قد يبدو السؤال طريفاً، لكنه كان يشكك في افتراض راسخ يقول إن الإنسان هو دائماً الطرف الذي يراقِب، ويفهَم، ويمنح المعنى، بينما تظل الكائنات الأخرى موضوعاً لنظرته.
لكن ماذا لو كانت القطة تنظر إليه بالطريقة نفسها التي ينظر بها إليها؟ وماذا لو كانت القطة، هي الأخرى، تتساءل من يكون هذا الكائن الذي يلعب معها؟
وهكذا من لعبة بسيطة مع قطة تلعق فراءها، فتح مونتين باباً لسؤال رافق الفلسفة قروناً: هل نستطيع حقاً أن نعرف كيف يرى كائن آخر العالم؟
لم يبقَ سؤال مونتين حبيس الكتب. فبعد نحو أربعة قرون، عاد ليواجه جاك دريدا، رائد المدرسة الفلسفية التفكيكية، على هيئة قطة.
خرج دريدا من الحمّام عارياً، فوجد قطته تنظر إليه. كانت لحظة عادية، لكنها تركته يشعر بشيء لم يتوقعه: الخجل. للحظة، لم يعد هو الإنسان الذي يراقب الحيوان ويفسره، بل أصبح هو نفسه موضوعاً لنظرة كائن آخر.
كتب لاحقاً: "الحيوان ينظر إلينا، ونحن عراة أمامه".
لم تعد القطة، في نظره، كائناً صامتاً يعيش على هامش العالم الإنساني، بل ذاتاً لها منظورها الخاص، قادرة على أن تنظر إليه بدورها.
ومن اللافت أن أحد أكثر مفكري القرن العشرين تأثيراً لم يبدأ مراجعة هذه الحدود من قاعة محاضرات أو مناظرة فلسفية، بل من نظرة قطة.
حين أشعل قط فضول نيكولا تسلا
لم تكن القطط تربك الفلاسفة وحدهم.
ففي طفولته، كان نيكولا تسلا يداعب قطه "ماتشاك" في إحدى أمسيات الشتاء، حين رأى شرارات الكهرباء الساكنة تضيء فروه وتقفز منه مع كل لمسة.
ظل الطفل تسلا يتأمل الومضات الصغيرة في العتمة، ثم سأل: ما الكهرباء؟
لم تكن القطة تعرف الجواب، لكنها أشعلت السؤال.
رعاية القطط غيرت من شخصيتي
بقي ذلك المشهد حاضراً في ذاكرة تسلا حتى بعد عقود، حين أصبح أحد أبرز رواد اكتشاف الكهرباء الحديثة، وأسهم في تطوير أنظمة التيار المتردد ونقل الطاقة الكهربائية، حتى إن شركة السيارات الكهربائية الشهيرة حملت اسمه تكريماً لإرثه العلمي.
إذا لم تكن أعظم هدية قدمها "ماتشاك" لتسلا هي الشرارات نفسها، فهي بالتأكيد الفضول الذي ولّدته والأسئلة التي أثارتها في عقله، فالعلم لا يبدأ بالإجابة الصحيحة بقدر ما يبدأ بسؤال لا يستطيع صاحبه نسيانه، ويبدو أن هذا ما قدمه "ماتشاك".
لكن أشهر قط في تاريخ العلم لم يكن موجوداً أصلاً.
القطة بسّطت فيزياء الكم
في عام 1935، تخيّل الفيزيائي النمساوي إرفين شرودنغر قطاً داخل صندوق مغلق، إلى جانب ذرة مشعة وآلية قد تطلق سماً إذا اضمحلت الذرة.
ووفقاً أحد تفسيرات ميكانيكا الكم، تكون الذرة قبل قياسها في حالتي الاضمحلال وعدم الاضمحلال معاً. وإذا نُقلت هذه الفكرة إلى القط، فسيكون، نظرياً، حياً وميتاً في الوقت ذاته، إلى أن يُفتح الصندوق.
لم يكن شرودنغر يقترح تجربة قابلة للتنفيذ، بل أراد كشف غرابة تطبيق قوانين العالم الذري على الأشياء اليومية. غير أن القط المتخيَّل خرج من الصندوق ليصبح أشهر رموز ميكانيكا الكم، وأحد أكثر الأمثلة حضوراً في تاريخ الفيزياء.
وبدل أن يبقى السؤال: هل القط حي أم ميت؟ أصبح: متى يصبح الواقع واقعاً؟ وهل يكون العالم في حالة محددة قبل أن نرصده، أم أن عملية الرصد نفسها جزء مما يحدد النتيجة؟
قد تبدو هذه أسئلة فلسفية، لكنها تقع في قلب النظرية التي تقوم عليها تقنيات غيّرت العالم، من أشباه الموصلات والليزر إلى الحوسبة الكمومية.
وهكذا انتقلت القطط من سؤال عن الكهرباء إلى سؤال أكثر جرأة: ما الواقع أصلاً؟
حين منح الأدب القطط صوتاً
إذا كانت القطط قد دفعت الفلاسفة إلى إعادة التفكير في الإنسان، والعلماء إلى إعادة التفكير في الواقع، فإن الأدب منحها ما لم يمنحه لها أي مجال آخر: صوتاً.
قصة النمر العربي المُهدد بالانقراض
في رواية هاروكي موراكامي "كافكا على الشاطئ"، يمتلك الرجل المسن "ناكاتا" قدرة غريبة على التحدث مع القطط. يعيش حياة بسيطة، ويكسب بعض المال من البحث عن الحيوانات المفقودة، مستعيناً بمحادثاته مع قطط الأحياء.
لكن تلك الأحاديث لا تقوده إلى قطة ضائعة فحسب، بل إلى رحلة تتداخل فيها الحقيقة بالخيال، واليومي بالميتافيزيقي. ومن خلال القطط، يكتشف عالماً خفياً، ويواجه شخصية غامضة تقتلها، ثم يجد نفسه داخل أحداث يتعطل فيها منطق الواقع إلى حد أن السماء تمطر أسماكاً.
لا تبدو القطط هنا مجرد عنصر غرائبي أضيف إلى الرواية، بل كائنات تعرف طريقاً لا يعرفه البشر. فهي تقف على الحد الفاصل بين الواقع والحلم، وبين ما يمكن تفسيره وما ينبغي الاكتفاء بتأمله.
ولهذا تجاوز حضورها في الأدب دور الشخصية اللطيفة أو الغامضة. أصبحت رمزاً للحدس، وللمعرفة التي تسبق اللغة، وللعالم الذي نشعر بوجوده من دون أن نستطيع الإمساك به.
وربما لهذا قالت الروائية الفرنسية كوليت: "لا وجود لقطط عادية".
حكمة الشوارب
لعل سر القطط ليس أنها أذكى من غيرها، ولا أنها تمتلك معرفة خفية، بل إنها، على نحو نادر، تدفع الإنسان إلى التوقف والنظر مرة أخرى؛ فهي لم تغيّر العالم بقوتها أو بما قدمته من عمل، وإنما غيّرته بالأفكار التي أيقظتها في عقول البشر.
ربما لم تكن القطط أنفع الحيوانات للإنسان، لكنها كانت، على نحو يصعب تجاهله، من أكثرها قدرة على دفعه إلى التفكير.
ويبدو أن الكاتب البريطاني تيري براتشيت كان محقاً، ولو على سبيل الدعابة، حين قال: "في الأزمنة القديمة، كانت القطط تُعبد بوصفها آلهة، ويبدو أنها لم تنسَ ذلك".
وربما لم ننسَ نحن أيضاً.
استوطن شبه الجزيرة العربية منذ 500 ألف عام.. قصة النمر العربي المُهدد بالانقراض
الرسام الذي غير طريقة فهمنا للقطط
هل تستطيع أستراليا التخلص من قططها القاتلة؟
