الخميس، 6 أغسطس 2026

للأسبوع الثاني على التوالي، تتصاعد موجة الغضب الشعبي في العراق على خلفية جريمة اغتصاب داخل مركز للشرطة في مدينة الديوانية، مركز محافظة القادسية جنوبي البلاد. وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت، مطلع الشهر الجاري، اعتقال ضابط برتبة نقيب وثلاثة من عناصر الشرطة وإحالتهم على التحقيق، بعد تعرّض موقوفة تبلغ من العمر 27 عاماً لاعتداء جنسي في أثناء احتجازها.

وأصدر الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية العراقية، حسين العوادي، توضيحاً نقلته وسائل إعلام عراقية، أكد فيه اتخاذ "إجراءات قانونية عاجلة ورادعة بحق ضابط وثلاثة من منتسبي الشرطة، على خلفية اتهامهم بالاعتداء على إحدى الموقوفات داخل أحد مراكز الشرطة في محافظة القادسية". وأضاف، في بيانه، أنّ "وزارة الداخلية لا تتهاون مع أي انتهاك يمس كرامة الإنسان أو يخالف القانون"، مشيراً إلى توجيهاته بإحالة المتهمين على الجهات التحقيقية والقضائية المختصة، واتخاذ أقصى الإجراءات القانونية والإدارية بحق كل من يثبت تورطه.

وقال رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة القادسية، خضير شريف المياحي، إنّ المتهمين أُودعوا التوقيف، فيما باشرت قيادة الشرطة الإجراءات القانونية اللازمة، مشيراً إلى أن القضية تخضع حالياً لتحقيق قضائي. بدورها أعلنت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق تشكيل فريق ميداني متخصص لمتابعة القضية، وأكدت أنّ فريقها وثق إفادة الموقوفة واطلع على وضعها الصحي والنفسي، مشددة على أنّ "تنازل الضحية أو عدم رغبتها في تحريك الشكوى الشخصية لا يؤدي إلى إسقاط الحق العام، لأن الجريمة، إذا ثبتت، تمثل انتهاكاً خطيراً للقانون وأخلاقيات الوظيفة الأمنية".

وقال عباس برهان، مدير مفوضية حقوق الإنسان في محافظة القادسية، إن "مراكز التأهيل والسجون غير مؤهلة لأن تكون مكاناً آمناً للنساء النزيلات، وإن المفوضية ترى ضرورة أن تُدار هذه السجون من قبل النساء". وأضاف في حديثه لـ"العربي الجديد" أنّ هناك محاولات للتشكيك في رواية النزيلة التي تعرضت للاعتداء والاغتصاب، عبر ترويج فرضية أنّ ما حدث تم برضاها، معتبراً أن هذا الطرح "مسيء جداً للمرأة العراقية". وأشار إلى أن مراكز الاحتجاز في العراق تعاني أيضاً الاكتظاظ، وهو أحد أبرز التحديات التي تفاقم أوضاعها.

وبحسب المعلومات المعلنة، وقعت الحادثة في 23 يوليو/ تموز الماضي داخل مركز شرطة النهضة بمدينة الديوانية، حيث أُخرجت النزيلة من مكان احتجازها في ساعة متأخرة من الليل، ونُقلت إلى إحدى الغرف داخل المركز، قبل أن تتعرض لاعتداء جنسي، ثم أُعيدت إلى زنزانتها. من جهتها، قالت سندس حمزة، رئيسة لجنة المرأة في المجلس المحلي بمحافظة القادسية، إنّ القضية بدأت بعدما ادعى أحد الضباط تعطل كاميرات المراقبة لمدة ساعتين يوم وقوع الحادثة.

وأضافت، في حديثها لـ"العربي الجديد"، أنّ التحقيق في واقعة إطفاء الكاميرات كشف ما وصفته بـ"الفعل المخزي"، وتبيّن أن المتهمين في جريمة الاغتصاب الجماعي هم ضابط برتبة نقيب وشرطيان. وأوضحت أن الحادثة دفعت اللجنة إلى إطلاق حملة لزيارة أماكن الاحتجاز والسجون التي تضم نساء، للاطلاع على أوضاعهن وظروف احتجازهن. وخلال الأيام الماضية، وفي خضم التفاعل مع القضية، أثارت تصريحات للإعلامي العراقي حيدر الحمداني جدلاً واسعاً، بعدما ظهر في مقطع مصور قال فيه إن "الواقعة تمت برضا الطرفين وليست اغتصاباً، وإن كاميرات المراقبة أُطفئت قبل وقوعها".

وأثارت هذه التصريحات موجة انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، إذ اعتبرها ناشطون في العراق تبريراً لجريمة الاغتصاب. وأعادت هذه القضية إلى الواجهة النقاش بشأن حماية النساء داخل أماكن الاحتجاز والسجون، ولا سيما أن السلطات كانت قد كشفت في السابق عن حوادث مماثلة. ففي سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، وُجهت اتهامات إلى ضابط وعدد من عناصر الأمن في محافظة النجف جنوبي العراق باغتصاب فتاة بعد احتجازها بذريعة "الإخلال بالشرف".

وقبل ذلك بأشهر، اتهمت فتاة ضابطاً في مركز شرطة المجتبى بمحافظة النجف بالتحرش بها ثم اغتصابها في أثناء احتجازها.

شهادات سودانيات أنجبن أطفالا من جرائم اغتصاب ارتكبتها "الدعم السريع"

من جهتها، قالت الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء سلمان إنّ المشكلة في جرائم الاغتصاب بالعراق تتمثل في وجود محاولات لتبرئة الجاني وإلقاء اللوم على الضحية. وأضافت، في حديثها لـ"العربي الجديد"، أنّ هذه الجرائم غالباً ما يرافقها تعتيم أو محاولات لتحريف مسار الحقيقة، ما يستدعي اتخاذ إجراءات رادعة وإصدار قرارات تحول دون تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً. وأوضحت أنّ "الحادثة الأخيرة شهدت ظهور شخصيات سعت إلى تحميل الضحية المسؤولية، ومحاولة تبرئة بعض منتسبي الأجهزة الأمنية وعناصر الشرطة من الاتهامات، لمجرد انتمائهم إلى وزارة الداخلية".

وأضافت سلمان أن "حالات الاغتصاب داخل السجون ومراكز التأهيل تتكرر، للأسف، بين حين وآخر، وغالباً ما يجري توفير الحماية للمتهمين، في مقابل التنكيل بالضحايا، لأن المنظومة القائمة داخل السجون تميل إلى حماية نفسها بمختلف الوسائل، تارةً عبر الترهيب، وتارةً أخرى عبر التهديد". واعتبرت أن تكرار تعطل كاميرات المراقبة أو إخراجها من الخدمة كلما وقعت جريمة من هذا النوع، يستدعي اتخاذ إجراءات جديدة تحول دون إيقافها، إلى جانب الاعتماد على السجانات والضابطات في الإشراف على أماكن احتجاز النساء، بما يضمن حمايتهن من أي تجاوزات أو اعتداءات.