من غرف التفاوض في أربيل إلى الميدان العسكري في كركوك، تتسارع التحركات حول واحدة من أكثر مناطق العراق حساسية، فبعد معلومات عن تفاهمات سياسية تتصل بإعادة انتشار البيشمركة، جاء إلغاء قيادة عمليات شرق دجلة وزيارة رئيس أركان الجيش ليضعا مستقبل الانتشار الأمني أمام تساؤلات عن حدود السياسة في إعادة رسم المشهد العسكري.
كركوك بإدارة الأمن الاتحادي
ويقول عضو ائتلاف دولة القانون عمران الكركوشي، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم السبت (8 آب أغسطس 2026)، إن “هناك اتفاقاً على ضرورة الحفاظ على أمن المنطقة وعدم تسييس الإجراءات الأمنية لصالح جهة دون أخرى، مع وجود تفاهمات يتمسك بها الجميع، ولا سيما في ضوء التطورات الأمنية التي يشهدها العراق والمنطقة”.
ويوضح، أن “الإطار التنسيقي ينظر إلى زيارة رئيس أركان الجيش الفريق أول الركن عبد الأمير يار الله، إلى كركوك على أنها رسالة طمأنة وتثبيت للواقع الأمني، وتهدف إلى تأكيد أن إدارة الملف الأمني في كركوك والمناطق المتنازع عليها تبقى حصراً بيد القوات الاتحادية، المتمثلة بالجيش والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب”.
ويضيف، أن “الإطار التنسيقي يتابع بحذر شديد أي حديث أو تسريبات تتعلق باتفاقات سياسية”، لافتاً إلى “وجود موقف موحد داخل الإطار يرى أن معادلة فرض القانون التي تحققت عام 2017 تمثل ثابتاً سيادياً لا يخضع للمساومات في المفاوضات الإقليمية أو الانتخابية”.
البيشمركة والمناطق المتنازع عليها
ويؤكد الكركوشي، أن “التوافق الاتحادي يمثل الشرط الأساس في هذا الملف، وأي إجراء يخص إدارة الفراغات الأمنية بين حدود الإقليم والمركز يجب أن يمر عبر قيادة العمليات المشتركة ومراكز التنسيق الأمني المعمول بها حالياً، ولا يمكن السماح بإعادة انتشار مستقل لقطعات البيشمركة داخل حدود محافظة كركوك إطلاقاً”.
ويخلص إلى أن “الإطار التنسيقي يعتبر الملف الأمني في كركوك خطاً أحمر لا يمكن التنازل عنه لصالح تسويات تشكيل الحكومات أو التحالفات السياسية”، معتبراً أن “زيارة القيادات العسكرية الاتحادية إلى كركوك تستخدم كصمام أمان لمنع تحويل التفاهمات السياسية في الغرف المغلقة إلى حقائق عسكرية على الأرض”.
تفاهمات وصفقات
في 30 تموز يوليو الماضي، استقبل رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، في أربيل، رئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي، في لقاء أعلن رسمياً أنه تناول العلاقات الثنائية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب تقدم، وتطوير التعاون المشترك في ظل الأوضاع التي يمر بها العراق والمنطقة.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك أعقب اللقاء، أكد بارزاني والحلبوسي دعمهما للحكومة الاتحادية برئاسة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، وشددا على ضرورة استمرار التعاون بين بغداد وأربيل لمواجهة التحديات وإدارة الأزمات، فضلاً عن تعزيز التنسيق بين القوى السياسية.
لكن زيارة الحلبوسي إلى أربيل سرعان ما أخذت بعداً آخر، بعدما حصلت “العالم الجديد” على معلومات خاصة، نشرتها في تقرير سابق (6 آب أغسطس) تحت عنوان: (الدفاع مقابل البيشمركة.. مصادر تكشف تفاهمات الحلبوسي المثيرة في أربيل)، حيث أفادت بأن المباحثات لم تقتصر على الخلافات المتعلقة بالحصص الوزارية، وإنما امتدت إلى آلية تمرير مرشح وزارة الدفاع عبر تنسيق بين الحلبوسي وقوى المجلس السياسي الوطني، مقابل دعم من الحزب الديمقراطي الكردستاني.
وبحسب المعلومات، تضمنت التفاهمات اتفاقاً غير معلن يتعلق بإعادة انتشار قوات البيشمركة في بعض المناطق المتنازع عليها، خاصة كركوك، تحت غطاء ألوية الاهتمام المشترك، وهي قوات مقاتلة تتبع الحزب الديمقراطي الكردستاني وتنخرط ضمن صفوف وزارة الدفاع، إلى جانب استعادة الحزب مناصب عسكرية عليا سبق أن جرى تجريده منها، من بينها منصب الأمين العام لوزارة الدفاع، مقابل دعم الشخصية التي يختارها الحلبوسي لتولي الوزارة.
ومع تسرب تلك المعلومات، عاد ملف وزارة الدفاع إلى واجهة المشهد السياسي، بالتزامن مع استمرار الخلاف بين القوى السنية على حسم المرشح للمنصب، فيما انحصرت المنافسة، بحسب المعلومات التي نشرتها “العالم الجديد”، بين عدد محدود من الأسماء.
وكان الحلبوسي يطرح كلاً من جمعة عناد وقاسم المحمدي، مع ترجيح كفة جمعة عناد، بينما برز النائب نايف الشمري ضمن أسماء طرحتها أطراف سنية أخرى، لتبقى المنافسة محصورة، وفق المعلومات حينها، بين جمعة عناد ونايف الشمري.
غير أن أهمية الملف لم تتوقف عند حقيبة الدفاع، إذ تداخلت مفاوضات توزيع المناصب الوزارية مع ملفات أكثر حساسية، أبرزها مستقبل المناطق المتنازع عليها وآليات إدارتها أمنياً، وهو ما جعل أي تفاهم محتمل بشأن الوزارة مرشحاً للتأثير في موازين العلاقة بين بغداد وأربيل.
وفي مقابل تلك المعلومات، برز موقف رافض داخل الإطار التنسيقي لربط ملف المناطق المتنازع عليها بتوزيع الحقائب الوزارية، إذ شدد على ضرورة معالجة ملف كركوك وسنجار وبقية المناطق المتنازع عليها وفق المادة 140 من الدستور، التي تتضمن مراحل التطبيع والإحصاء والاستفتاء.
كما رفض الإطار، بحسب ما نشرته “العالم الجديد”، أي إعادة انتشار لقوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها إذا جاءت نتيجة تفاهمات سياسية ثنائية، مؤكداً أن أي تغيير في الواقع الأمني ينبغي أن يصدر بقرار اتحادي وإجماع وطني، وليس عبر اتفاقات بين أطراف سياسية.
وتمسك الموقف أيضاً ببقاء السيطرة الأمنية في تلك المناطق بيد القوات الاتحادية والحشد الشعبي، مع رفض أي دور عسكري مباشر لقوات البيشمركة خارج حدود إقليم كردستان، والتحذير من أن إدخال الملفات الأمنية ضمن مفاوضات تشكيل الحكومة أو توزيع الوزارات قد يهدد الاستقرار.
ولا يأتي الجدل بشأن الانتشار الأمني في كركوك من فراغ، إذ سبق أن شهدت المحافظة توترات واعتراضات كادت تتطور إلى مواجهة بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة، قبل انسحاب الأخيرة من المحافظة التي تعد من المناطق المتنازع عليها.
وفي الوقت نفسه، ظل التنسيق الأمني بين القوات الاتحادية والبيشمركة قائماً عبر غرف وآليات مشتركة، رغم بقاء قوات البيشمركة تابعة لحكومة إقليم كردستان، وهو ما جعل مسألة شكل انتشارها وحدود ارتباطها بالمؤسسة العسكرية الاتحادية واحدة من النقاط الحساسة في أي نقاش جديد بشأن كركوك.
التوترات الداخلية
من جهته، يقول اللواء الركن المتقاعد عماد علو، الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم السبت، إن “زيارة رئيس أركان الجيش إلى كركوك تكتسب أهمية في ظل تصاعد التوترات الداخلية، وتوجيهات رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، فضلاً عن الاتفاقات التي سبقت الزيارة بشأن حماية الأهداف الحيوية ومصادر وخطوط أنابيب النفط المتعلقة بحقل هرموز، إلى جانب عمليات القصف التي تعرضت لها مناطق إقليم كردستان”.
ويوضح، أن “هذه التطورات تستدعي إعادة تقييم الموقف العسكري وانفتاح القطعات وإعادة انتشارها، ولا سيما في مناطق الفراغ الأمني التي يمكن استغلالها لتنفيذ عمليات تخل بالأمن والاستقرار في العراق، ما يجعل مراجعة مناطق الانفتاح وإعادة الانتشار أمراً ضرورياً”.
قوات الاهتمام المشترك
ويبين الخبير علو، أن “ألوية الاهتمام المشترك سبق أن شكلت منذ عام 2023 من قوات مشتركة تضم البيشمركة والقوات الاتحادية، بواقع لواءين، يضم كل منهما نحو 3500 عنصر، ليصل مجموع القوات إلى نحو سبعة آلاف عنصر”، مشيراً إلى “انتشارها في مناطق الفراغ الأمني، ولا سيما على خطوط التماس بين القوات الاتحادية وقوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان في مناطق خانقين وكركوك وديالى وطوزخورماتو ودبس وغيرها”.
ويضيف، أن “عام 2025 شهد تشكيل لواء ثالث وانتشاره في مناطق ضمن محور دبس وكركوك، بهدف تعزيز وإحكام السيطرة وتشديد الانتشار في مناطق التماس والفراغ الأمني”، لافتاً إلى أن “إعادة الانتشار باتت ضرورية في ضوء المستجدات الأمنية والأوضاع الإقليمية، بما يعزز سيطرة الحكومة على تلك المناطق ويمنع أي خروقات قد تطال الأهداف والمناطق الحيوية، سواء من تنظيم داعش أو جماعات مسلحة أخرى”.
زيادة الاستعداد القتالي
ويشير علو إلى أن “ألوية الاهتمام المشترك الموجودة في هذه المناطق سبق أن نفذت عمليات مشتركة وكان لها دور كبير، وهي تخضع لسيطرة قيادة العمليات المشتركة، مع وجود قيادات للتنسيق والسيطرة منتشرة في إقليم كردستان والمناطق القريبة من خطوط التماس والمناطق المتنازع عليها، حيث إن تحريك هذه الألوية واستخدامها يجري ضمن منظومة القيادة والسيطرة”.
ويعتبر، أن “هذه الألوية تمثل نموذجاً متقدماً للتعاون بين حكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية من أجل سد الثغرات ومنع عودة نشاط تنظيم داعش”، مبيناً أنها “شاركت في عدة عمليات مشتركة في جبال قره تشو وكنديناو، وكان آخرها قبل أكثر من شهر لمطاردة وملاحقة فلول داعش التي برز نشاطها في مناطق كركوك”.
ويشدد على أن “أي تحركات عسكرية على صعيد الإقليم، سواء عند الحدود الغربية للعراق أو الشرقية، تستوجب التحسب وزيادة الاستعداد القتالي ورفع درجة اليقظة والحذر لمنع أي خروقات أمنية قد تستهدف مناطق حيوية أو سكانية، بهدف زرع الفتنة والإضرار بالأمن والسلم الأهلي في العراق”.
خلايا الإرهاب النائمة
ويرى الخبير العسكري، أن “إعادة انتشار القطعات وزيادة مستوى التنسيق بين رئاسة أركان الجيش ووزارة شؤون البيشمركة وحكومة إقليم كردستان تعد مسألة مطلوبة وضرورية في مثل هذه الظروف”.
ويحذر من “وجود مؤشرات على محاولة تنظيم داعش إعادة تنشيط خلاياه النائمة في العراق، كما يفعل حالياً في سوريا، مستغلاً الأوضاع الإقليمية والحرب بين واشنطن وطهران، ما يتطلب استعدادات كبيرة وزيادة الجهد الاستخباري وإعادة النظر في انتشار القطعات العسكرية وأسلوب الانفتاح العملياتي في المناطق التي يمكن استغلال طبيعتها الجغرافية في حرب العصابات”.
ويكمل، أن “الأمر يتطلب أيضاً زيادة درجة الحذر والجهد الاستخباري تجاه أي تحرك لعناصر مسلحة قد لا تكون مرتبطة بداعش وإنما تحمل أجندات خارجية”، مبيناً أن “الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان تستطيعان، من خلال استخدام ألوية الاهتمام المشترك وقطعاتهما، إحكام السيطرة والأمن وترسيخ البصمة الحكومية للدولة العراقية في مناطق الفراغ التي قد تمتد في بعض الأحيان إلى أكثر من 20 كيلومتراً، ويمكن استغلالها من جهات تحاول الإخلال بالأمن والاستقرار داخل العراق”.
تشكيلات عسكرية جديدة
وينبه علو إلى أن “هناك توجهاً لدى حكومة إقليم كردستان لإنشاء تشكيلات عسكرية جديدة من البيشمركة بعيدة عن الصبغة السياسية والانتماءات الأيديولوجية للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، مع وجود حديث عن إنشاء فرق وتوزيعها على مناطق عدة وتأمين القيادة والسيطرة عليها من قبل وزارة شؤون البيشمركة”.
وينوه إلى أن “هذه التشكيلات تختلف عن ألوية الاهتمام المشترك التابعة لوزارة الدفاع وقيادة العمليات المشتركة والخاضعة لسيطرة الحكومة العراقية بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان”.
ويخلص إلى أن “هذه التحركات والتعاون القائم، إلى جانب زيارة رئيس أركان الجيش إلى كركوك وإقليم كردستان ولقاءاته مع المسؤولين الأمنيين، تصب في اتجاه تعزيز القدرات العسكرية ومضاعفة مستوى الاستعداد القتالي لمنظومة الدفاع العراقية، من خلال التعاون والتنسيق بين مختلف مراكز القوات المسلحة، بما يضمن منع أي خروقات أمنية في الظرف الحرج الذي يمر به العراق نتيجة تطورات الحرب بين واشنطن وطهران”.
إلغاء قيادة عمليات شرق دجلة
وبعد أيام قليلة من عودة هذا الملف إلى التداول السياسي، شهد اليوم السبت، تطوراً أمنياً جديداً، إذ أفاد مصدر أمني مطلع بصدور قرار عسكري يقضي بإلغاء قيادة عمليات شرق دجلة، التي كانت تتولى مهام أمنية في مناطق واسعة جنوب محافظة كركوك وصولاً إلى قضاء طوزخورماتو.
وبحسب المعلومات المتداولة، جاء القرار في إطار إعادة تنظيم المسؤوليات والانتشار العسكري ضمن قواطع العمليات، على أن تحدد الجهات العسكرية المختصة آلية توزيع المهام والقطعات التابعة للقيادة بعد إلغائها.
وأشارت المعلومات إلى أن المناطق التي كانت ضمن مسؤولية قيادة عمليات شرق دجلة ستبقى تحت التغطية الأمنية والعسكرية، ولكن وفق الهيكل التنظيمي الجديد الذي ستعتمده القيادة العامة للقوات المسلحة.
وجاء ذلك بالتزامن مع مطالبة رئيس الكتلة التركمانية النيابية أرشد الصالحي بالإبقاء على القوات الاتحادية في كركوك وقضاء طوزخورماتو، محذراً من أي تغييرات محتملة في الملف الأمني بمحافظتي كركوك وصلاح الدين.
وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الدفاع وصول رئيس أركان الجيش الفريق أول قوات خاصة الركن عبد الأمير رشيد يار الله إلى قاطع عمليات كركوك، برفقة وفد عسكري رفيع المستوى.
وبحسب بيان لوزارة الدفاع، اطلعت عليه “العالم الجديد”، جاءت الزيارة لمتابعة جاهزية القطعات ومجمل الوضع الأمني في المحافظة.
وتضمنت الزيارة الاطلاع ميدانياً على مستوى جاهزية القطعات وانتشارها ومتابعة سير الواجبات الأمنية وتقييم الموقف الأمني في قاطع العمليات، فيما عقد رئيس أركان الجيش لقاءات مع القيادات والآمرين واستمع إلى إيجاز بشأن الوضع الأمني والعمليات والواجبات المكلفة بها القوات في المحافظة.
وهدفت الزيارة، وفق المعلومات المعلنة، إلى الوقوف ميدانياً على مستوى الاستعداد والجاهزية وتعزيز التنسيق بين القطعات الأمنية بما يسهم في الحفاظ على الأمن والاستقرار في كركوك.
وبذلك، جاءت زيارة يار الله بعد نحو تسعة أيام فقط من لقاء الحلبوسي وبارزاني في أربيل، وبعد تداول معلومات عن تفاهمات تتصل بوزارة الدفاع وإعادة انتشار البيشمركة في بعض المناطق المتنازع عليها، وفي اليوم ذاته الذي برز فيه الحديث عن إلغاء قيادة عمليات شرق دجلة وإعادة تنظيم الانتشار والمسؤوليات العسكرية في المنطقة.
ويكتسب هذا التسلسل أهمية إضافية مع بقاء كركوك واحدة من أكثر نقاط التماس حساسية بين بغداد وأربيل، بالتوازي مع التوترات الأمنية الإقليمية والحاجة إلى حماية المناطق والمنشآت الحيوية ومنع استغلال الفراغات الأمنية.
