بعد 22 عاماً من التجميد… لبنان يطوي تشريعياً صفحة الإعدام

أقر مجلس النواب اللبناني، الثلاثاء، اقتراح قانون يلغي عقوبة الإعدام من التشريعات اللبنانية، بعد أكثر من اثنين وعشرين عاماً على آخر تنفيذ لهذه العقوبة في البلاد.
ويستبدل القانون الإعدام بعقوبة مؤبدة، مع اعتماد عقوبة أشد للجرائم التي ارتُكبت بعد دخوله حيز التنفيذ، في خطوة وصفتها وزارة العدل بأنها "تتويج لمسار عدالة حازمة تحمي حقوق الإنسان".
وفيما رحبت منظمات حقوقية بالقرار، أثارت صياغة العقوبة البديلة اعتراضات قانونية، كما عارضه نواب كتلة حزب الله.
وبعد استكمال إجراءات إصداره ونشره، يصبح لبنان، وفق تصنيفات منظمات حقوقية، أول دولة في الشرق الأوسط وثاني دولة عربية تلغي عقوبة الإعدام، بعد جيبوتي التي ألغتها عام 1995.
"ننتظر دورنا، لا نعرف متى سيأتي": محكومون في السعودية يناشدون بي بي سي لتجنب الإعدام
من وقف فعلي إلى إلغاء تشريعي
أقر البرلمان اللبناني الاقتراح بالأكثرية، بعد إدخال تعديلات عليه، من دون إعلان حصيلة رقمية مفصلة للتصويت. واعترض نواب كتلة "الوفاء للمقاومة" التابعة لحزب الله على القانون، من دون أن تصدر الكتلة، حتى إعداد هذا التقرير، بياناً يوضح أسباب موقفها.
وقالت وزارة العدل، في بيان عقب التصويت، إن إلغاء عقوبة الإعدام لا يعني "التساهل مع الجرائم الخطيرة" أو الانتقاص من حقوق الضحايا وعائلاتهم، معتبرة أن العقوبات البديلة المشددة تضمن المحاسبة وحماية المجتمع، من دون الإبقاء على عقوبة لا يمكن تدارك نتائجها إذا تبيّن لاحقاً وجود خطأ في التحقيق أو الأدلة أو المحاكمة.
وأضافت الوزارة أن "قوة العدالة لا تُقاس بقدرتها على إنهاء حياة المحكوم عليه"، بل بقدرتها على كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومعاقبة الجناة ضمن ضمانات دولة القانون.
وكان لبنان قد توقف فعلياً عن تنفيذ أحكام الإعدام منذ 17 يناير/كانون الثاني 2004، فيما بقيت العقوبة منصوصاً عليها في القوانين، واستمرت المحاكم في إصدار أحكام بها. ومع إقرار القانون واستكمال إجراءات إصداره ونشره، ينتقل لبنان من وقف فعلي لتنفيذ العقوبة إلى إلغائها تشريعياً.
ووفق أحدث بيانات مديرية السجون في وزارة العدل، التي أوردتها الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، كان 85 شخصاً محكومين بالإعدام في لبنان حتى نهاية عام 2025، بعدما واصلت المحاكم، ولا سيما المحكمة العسكرية، إصدار أحكام بالإعدام خلال سنوات وقف التنفيذ.
ما العقوبة التي ستحل محل الإعدام؟
وكانت الصيغة التي أقرتها اللجان النيابية المشتركة تنص على إلغاء عقوبة الإعدام "أينما ورد النص عليها في القوانين اللبنانية"، واستبدالها بـ"الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة"، مع إلغاء المواد المنظمة لإجراءات تنفيذها.
لكن النواب أقروا خلال الجلسة تعديلاً اقترحه النائب عبد الرحمن البزري، يميز بين الجرائم المرتكبة قبل نفاذ القانون وتلك التي تقع بعده. وبحسب الصيغة المعلنة في المجلس، تستبدل أحكام الإعدام في الجرائم السابقة بالأشغال الشاقة المؤبدة، فيما تفرض على الجرائم اللاحقة عقوبة "الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة".
وأثار وصف "المشددة" اعتراض النائب نبيل بدر، الذي قال إن هذه العقوبة غير منصوص عليها في قانون العقوبات، وإن البرلمان بذلك "يخترع عقوبة جديدة". في المقابل، قال النائب ملحم خلف إن إلغاء الإعدام يستوجب اعتماد عقوبة بديلة للجرائم الأشد خطورة.
كما تحفظت جهات حقوقية على الإبقاء على عقوبة الأشغال الشاقة. وقالت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان إنها تستند إلى مفاهيم لم تعد تنسجم مع المعايير الحديثة لحقوق الإنسان، ودعت إلى استبدالها بعقوبات سالبة للحرية تراعي المحاسبة وإعادة التأهيل وكرامة السجين.
وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن الأشغال الشاقة، رغم ورودها في الأحكام القضائية اللبنانية، نادراً ما تنفذ عملياً بسبب ضعف الإمكانات وغياب البنية اللازمة داخل السجون. لذلك يبقى تحديد المقصود بـ"الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة" وآلية تنفيذها من المسائل التي قد تتطلب تفسيراً تشريعياً أو قضائياً.
ولم يكن النص النهائي المعدل قد نشر رسمياً عند إعداد هذه المادة، ما يجعل الأثر الدقيق للتعديلات على المحكومين الحاليين رهناً بالصيغة النهائية للقانون.
مسار بدأ قبل نحو ثلاثة عقود
تعود الحملات المنظمة لإلغاء عقوبة الإعدام في لبنان إلى عام 1997، حين أطلق المفكر والناشط اللاعنفي وليد صليبي والباحثة أوغاريت يونان الحملة الوطنية لإلغاء العقوبة.
وجاء ذلك بعد مرحلة اتجه فيها لبنان إلى تشديد العقوبات عقب الحرب الأهلية. ففي عام 1994، أقر البرلمان القانون رقم 302، الذي حدّ من قدرة القضاة على منح أسباب تخفيفية في بعض جرائم القتل، قبل أن يلغى هذا التشدد عام 2001، فتستعيد المحاكم هامشاً أوسع في تقدير العقوبة.
ونفذت آخر أحكام الإعدام في لبنان فجر 17 يناير/كانون الثاني 2004، بحق أحمد علي منصور شنقاً، وبديع حمادة وريمي زعتر رمياً بالرصاص. ومنذ ذلك الحين، توقفت الحكومات المتعاقبة عن استكمال إجراءات التنفيذ، التي كانت تتطلب استطلاع رأي لجنة العفو، وموافقة رئيس الجمهورية، وصدور مرسوم بالتنفيذ.
وتوالت لاحقاً محاولات إلغاء العقوبة تشريعياً. فقدمت اقتراحات في عامي 2004 و2012، كما أعدت وزارة العدل مشروعاً عام 2014، لكن أياً منها لم يصل إلى التصويت النهائي.
أما الاقتراح الحالي، فأعدته الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية، وسجل في البرلمان في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بتوقيع سبعة نواب هم إلياس حنكش، وأسامة سعد، وبولا يعقوبيان، وجورج عقيص، وفيصل الصايغ، وحليمة القعقور، وميشال الدويهي.
وأطلق معدّو الاقتراح عليه اسم "قانون وليد صليبي"، تكريماً لأحد أبرز رواد الحملة المناهضة للإعدام. وحظي بتأييد مجلس الوزراء في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قبل أن تقره لجنة حقوق الإنسان في فبراير/شباط، ثم لجنة الإدارة والعدل، فاللجان النيابية المشتركة في يوليو/تموز 2026.
لماذا يُعدّ القرار تحولاً تاريخياً؟
كانت عقوبة الإعدام منصوصاً عليها في عدد من القوانين اللبنانية، بينها قانون العقوبات وقانون العقوبات العسكري وتشريعات خاصة. ولم يمنع وقف تنفيذها منذ عام 2004 المحاكم من مواصلة إصدار أحكام بالإعدام، كما لم يكن يشكل ضمانة قانونية تحول دون استئناف التنفيذ مستقبلاً.
وتقول وزارة العدل إن إلغاء العقوبة ينسجم مع التزامات لبنان المتعلقة بالحق في الحياة والكرامة الإنسانية وضمانات المحاكمة العادلة. وكان لبنان قد صوّت في أعوام 2020 و2022 و2024 لصالح قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعية إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام تمهيداً لإلغائها.
وللإلغاء أيضاً أثر على التعاون القضائي الدولي، إذ ترفض دول ألغت عقوبة الإعدام، في كثير من الحالات، تسليم مطلوبين إلى دول قد يواجهون فيها هذه العقوبة، أو تشترط ضمانات بعدم طلبها أو تنفيذها. وترى وزارة العدل أن حذف الإعدام من التشريعات اللبنانية قد يزيل عقبات واجهت بعض طلبات استرداد مطلوبين من الخارج.
وفي ما يتعلق بالردع، تقول الوزارة إن التجارب المقارنة لم تثبت أن الإعدام يحقق أثراً رادعاً حاسماً يتجاوز العقوبات الطويلة والمشددة، معتبرة أن فعالية الردع ترتبط بسرعة التحقيق والمحاكمة واستقلال القضاء وحتمية المحاسبة، لا بقسوة العقوبة وحدها.
وإذا صدر القانون ونُشر بصيغته المعلنة، يصبح لبنان أول دولة في الشرق الأوسط تلغي عقوبة الإعدام لجميع الجرائم، وثاني دولة عربية بعد جيبوتي التي ألغتها عام 1995، منتقلاً بذلك من وقف التنفيذ عملياً إلى الإلغاء التشريعي الكامل.
لكن الخطوة لا تنهي وحدها أزمات نظام العدالة الجزائية. وتقول وزارة العدل إنها ستتبعها إجراءات لتسريع المحاكمات وتطوير السياسة العقابية وتعزيز حقوق الضحايا، فيما تطالب منظمات حقوقية أيضاً بإلغاء الأشغال الشاقة، وتحسين أوضاع السجون، وتقليص التوقيف الاحتياطي، وتعزيز ضمانات المحاكمة أمام القضاءين العدلي والعسكري.
وشددت الوزارة على الفصل بين إلغاء عقوبة الإعدام واقتراح العفو العام. فالإلغاء تعديل دائم في السياسة العقابية، لا يمحو الجرائم ولا يبرئ مرتكبيها، بينما العفو إجراء استثنائي يطال جرائم أو فئات أو فترات زمنية محددة.
منظمة العفو الدولية : إيران والسعودية أكثر الدول تنفيذا لأحكام الإعدام في الشرق الأوسط
ما معنى الحكم الغيابي ومتى يُطبَّق؟