الجمعة، 7 أغسطس 2026

تواجه العاصمة بغداد تحدياً خدمياً وبيئياً كبيراً جراء انتشار الورش والمخازن المخالفة وسط الأحياء السكنية. وفيما يعزو مجلس المحافظة التلكؤ إلى تداخل الصلاحيات وضعف استجابة الأمانة، يؤكد متحدثها العمل على تفعيل المخطط الهيكلي لنقلها للأطراف، بينما يوضح خبير قانوني حق المواطنين بمقاضاة أصحاب الورش والدوائر البلدية المقصرة.

أمانة العاصمة والمحافظة

ويقول عضو مجلس محافظة بغداد عامر الفيلي، إن “الفارق الجوهري بين بغداد والموصل في معالجة ملف الورش الصناعية داخل الأحياء السكنية يكمن في طبيعة الإدارة والصلاحيات، لأن البلديات التابعة لمحافظة نينوى تتولى إدارة الملف بشكل مباشر، ما يجعل جهة القرار والتنفيذ واحدة، وهو ما سهل الشروع بإخلاء الورش الصناعية من المناطق السكنية”.

ويضيف، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس (6 آب أغسطس 2026)، أن “بغداد تشهد تداخلاً واضحاً في الصلاحيات، إذ تخضع المناطق الواقعة ضمن حدود أمانة بغداد لإدارتها، فيما يتولى مجلس المحافظة والمحافظة ملفات أخرى خارج تلك الحدود، الأمر الذي يحد من قدرة مجلس المحافظة على اتخاذ إجراءات تنفيذية مباشرة داخل مناطق الأمانة”.

ويشير الفيلي إلى وجود أمثلة واضحة على ذلك، فمثلاً أن “محلة (113) في شارع الكفاح، وهي منطقة سكنية، تضم مخازن وورشاً مخالفة انتشرت نتيجة ضعف المتابعة من قبل أمانة بغداد، من بينها مخازن لبيع الجداحات، التي تشكل خطراً على سلامة المواطنين، إذ إن أي حادث قد يؤدي إلى كارثة داخل منطقة مكتظة بالسكان، فضلاً عن وجود مخازن للتوابل وما تسببه من روائح وأتربة تؤثر في صحة الأهالي”.

ويتابع، “كما أن محلة (109) تضم أيضاً مخازن للمبيدات الحشرية ومواد أخرى لا ينبغي أن تكون داخل منطقة سكنية، لما تمثله من مخاطر صحية وبيئية”.

ويوضح، أن “دور أعضاء مجلس محافظة بغداد يتمثل في توثيق هذه المخالفات، ومخاطبة البلدية وأمانة بغداد رسمياً، والمطالبة برفع التجاوزات ومعالجتها”، مستدركاً أن “استجابة أمانة بغداد حتى الآن ليست بالمستوى المطلوب”.

ويؤكد الفيلي، أنه لا يوجد حالياً قرار صادر عن مجلس المحافظة لمعالجة هذا الملف، إلا أنه يرى ضرورة إدراجه على جدول أعمال المجلس خلال المرحلة المقبلة، وإطلاق مبادرة مشتركة مع أمانة بغداد والبلديات لنقل الورش والمخازن المخالفة إلى المجمعات الصناعية، بما يحفظ حق المواطنين في بيئة آمنة، وفي الوقت نفسه ينظم أوضاع أصحاب تلك الورش وفق الأطر القانونية.

وبدأ الملف مع تحرك ميداني في محافظة نينوى، إذ باشرت الكوادر التنفيذية في قائممقامية الموصل ومديرية البلدية، في وقت سابق من اليوم الخميس، حملة لإغلاق المحال والورش الصناعية الواقعة داخل الأحياء السكنية، ولا سيما في حي الشرطة بالجانب الأيسر من المدينة، ضمن إجراءات تستهدف إزالة التجاوزات والمخالفات الفنية والبيئية، وإخلاء الأنشطة الصناعية غير المرخصة ونقلها إلى المناطق الصناعية المخصصة.

واوضح قائممقام الموصل هشام الهاشمي، أن الحملة جاءت لمعالجة الإزعاج والتلوث البيئي والبصري، إضافة إلى التجاوز على الأرصفة والشوارع العامة، مؤكداً أن أصحاب الورش المخالفة أُنذروا بالانتقال الكامل إلى المجمع الصناعي حفاظاً على النظام العام والمظهر الحضري.

وأعادت هذه الخطوة فتح النقاش بشأن واقع العاصمة بغداد، بعدما تساءل ناشطون وخبراء عن أسباب عدم تطبيق إجراءات مماثلة داخل الأحياء السكنية في العاصمة، رغم انتشار الورش والمخازن المخالفة في مناطق مكتظة بالسكان، وما تسببه من ضوضاء وتلوث ومخاطر بيئية وصحية، مطالبين بتحرك مماثل يعيد تنظيم النشاط الصناعي داخل المدينة.

ويقول أستاذ التخطيط الحضري منتظر ناصر، في تصريح صحفي، اطلعت عليه “العالم الجديد”، إن الموصل بدأت تستعيد عافيتها بعد سنوات الحرب، من خلال فرض النظام وإزالة التجاوزات، معتبراً أن البدء بإغلاق الورش الصناعية داخل الأحياء السكنية يمثل خطوة متقدمة في تنظيم الحياة الحضرية، متسائلاً عن أسباب عدم تطبيق الإجراءات نفسها في بغداد، رغم وجود ورش صناعية ومخازن وسط المناطق السكنية تسبب ضجيجاً وتلوثاً بصرياً وسمعياً وبيئياً للسكان.

المخطط الهيكلي للعاصمة

من جهته، يقول المتحدث باسم أمانة بغداد عدي الجنديل، في حديث لـ “العالم الجديد” اليوم الخميس، إن “الأمانة تعمل حالياً على تنفيذ المخطط الهيكلي الشامل لمدينة بغداد، بعد إقراره بقرار من مجلس الوزراء، وهذا المخطط كان معطلاً منذ عام 2010، قبل أن يعاد تفعيله ويعتمد بوصفه خارطة طريق لتنظيم نمو العاصمة وإدارة توسعها العمراني”.

ويضيف، أن” المخطط يتضمن إنشاء مناطق سكنية جديدة في أطراف بغداد، إلى جانب نقل الورش والأسواق التجارية الكبرى والفعاليات الصناعية خارج مركز العاصمة، بهدف تقليل الزخم المروري وتنظيم الاستعمالات داخل المدينة”.

ويبين، أن “تنفيذ هذه الخطط يتطلب أولاً توفير البنى التحتية اللازمة في المواقع الجديدة، تمهيداً لنقل جميع أسواق الجملة والأنشطة الصناعية الموجودة داخل بغداد إلى أطراف العاصمة، ولا سيما تلك التي تؤثر في حركة السير والمرور”.

ويشدد على أن “أمانة بغداد لا تمنح أي موافقات لإنشاء الورش داخل المناطق السكنية، وجميع الورش الموجودة حالياً تعد مخالفة للاستعمالات المقررة، إلا أنها أصبحت واقعاً قائماً منذ عام 2003 واستمرت في ممارسة نشاطها”.

نقل الورش الصناعية

ويؤكد الجنديل، أن “الأمانة تتخذ إجراءات لإغلاق الورش التي يثبت تأثيرها على المواطنين أو على المناطق السكنية، مع استمرار المتابعة بهذا الملف، بالتزامن مع انتظار التخصيصات المالية اللازمة لإنشاء المجمعات الصناعية والتجارية البديلة”.

ويلفت إلى أن “خطة النقل تشمل أسواق الجملة، ومنها الشورجة وجميلة، فضلاً عن المناطق الصناعية في الشيخ عمر وساحة الطيران وبقية المناطق المشابهة”، مبيناً أن “الهدف يتمثل في إنشاء مدينة سكنية منظمة، مع نقل الفعاليات الصناعية والتجارية إلى أحياء صناعية في أطراف بغداد، بما يسهم في تخفيف الازدحام وتحسين الواقع الخدمي داخل العاصمة”.

وبالتوازي مع ذلك، طُرحت تساؤلات بشأن الجهات المسؤولة عن هذا الملف داخل العاصمة، في ظل تداخل الصلاحيات بين أمانة بغداد والبلديات ومجلس المحافظة، وما إذا كان القانون يمنح المواطنين حق اللجوء إلى القضاء عند استمرار هذه المخالفات، فضلاً عن مدى مسؤولية الجهات التنفيذية عن إزالة الورش غير المرخصة داخل الأحياء السكنية.

حق المواطن القانوني

إلى ذلك، يلفت الخبير القانوني محمد جمعة، إلى أن “للمواطن المتضرر من وجود ورشة صناعية داخل منطقة سكنية الحق في إقامة دعوى قضائية ضد صاحب الورشة، إذا كانت تمارس نشاطها من دون إجازة قانونية”، مبيناً أن “ممارسة هذا النشاط تعد عملاً غير مشروع يوجب التعويض عن الأضرار التي تلحق بالمواطنين، وذلك في حديث لـ”العالم الجديد”.

ويضيف جمعة، أن “من حق المتضرر المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناجمة عن الورشة، وإذا ثبت وجود تقصير من الدوائر البلدية في إزالة الورشة المخالفة رغم علمها بها، فإن للمواطن أيضاً حق إقامة دعوى تعويض ضد الجهة المسؤولة، لعدم قيامها بواجبها القانوني في إزالة المخالفة”.

تقصير البلديات

ويشير جمعة إلى أن “امتناع الدوائر البلدية عن إزالة الورش المخالفة داخل المناطق السكنية يمثل تقصيراً في أداء واجباتها، لأن القانون يلزم هذه الدوائر بإغلاق جميع الأعمال غير المشروعة في المناطق السكنية، وعدم التهاون في تنفيذ الإجراءات القانونية بحقها”.

ويوضح، أن “ثبوت تقاعس الدوائر البلدية عن إزالة المخالفات يستوجب مساءلة مدير البلدية إدارياً، لعدم أدائه واجباته القانونية”، لافتاً إلى أنه “إذا ثبت أن هذا التقصير كان نتيجة مصالح مادية أو وساطات أو أي أسباب أخرى، فإن المسؤولين يتحملون مسؤولية جزائية قد تصل عقوبتها إلى الحبس”.

ويختتم بالتأكيد، أن “القوانين النافذة تمنح الدوائر البلدية صلاحية الغلق الفوري وإزالة أي نشاط غير مشروع داخل المناطق السكنية”، مشدداً على أن “النصوص القانونية في هذا الجانب واضحة، وتلزم الجهات البلدية باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة من دون تأخير”.

وتبقى المقارنة بين تجربة الموصل وواقع بغداد مطروحةً بقوة، إذ نجحت الأولى ولو جزئياً في الشروع بخطوات تنفيذية لإخراج الورش من الأحياء السكنية، بينما لا يزال الملف في العاصمة يواجه تحديات إدارية وتنظيمية وتشريعية، في انتظار إجراءات عملية تنهي ظاهرة طالما اشتكى منها السكان، وتعيد التوازن بين متطلبات التنمية وحق المواطنين في بيئة سكنية آمنة.