«تحالف مكة» يحاصر نفوذ طهران ويكبل الفصائل ويحشر بغداد في الزاوية
فتح التحالف الدفاعي الجديد بين السعودية وتركيا وباكستان الباب أمام معادلات أمنية جديدة في المنطقة، بعدما انتقلت الدول الثلاث من التنسيق السياسي إلى إطار دفاعي مشترك قد يتوسع لاحقاً، وهو ما أثار في العراق تساؤلات، خصوصاً مع مهاجمة قوى سياسية قريبة من الفصائل المسلحة للتحالف، إلى جانب انتقادات من مدونين ونشطاء، وسط تساؤلات عن موقع بغداد في هذه الخارطة الجديدة، وما إذا كانت أنقرة تتجه إلى الانخراط في محور إقليمي قد يصطدم بنفوذ الفصائل المسلحة.
ويضم التحالف السعودية وتركيا وباكستان، ويقوم على مبدأ الدفاع المشترك، بما يعني التزام الدول الثلاث بمساندة أي طرف منها في حال تعرضه لهجوم مسلح، في خطوة تجمع بين الثقل الاقتصادي والسياسي للسعودية، والقدرات العسكرية والصناعات الدفاعية المتقدمة لتركيا، والخبرة العسكرية والقدرات الردعية لباكستان، فيما يفتح الاتفاق الباب أمام تنسيق أمني وعسكري وتبادل للخبرات والمعلومات، وربما تدريبات مشتركة وتعاون أوسع في الصناعات الدفاعية.
وفي هذا السياق، يقول رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية غازي فيصل، خلال حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الأحد (9 آب أغسطس 2026)، إن “التحالف الجديد يؤشر تحولات مهمة في طبيعة النظام الأمني الإقليمي، ولا سيما مع تصاعد التحديات الأمنية والعسكرية التي تواجه دول المنطقة”، مبيناً أن “مثل هذه الترتيبات قد تمثل انتقالاً من مرحلة المحاور السياسية التقليدية إلى أطر أمنية وعسكرية أكثر تنظيماً تقوم على الردع ومنع اندلاع الحروب”.
ويضيف، أن “التحالف لا يعني بالضرورة التوجه نحو مواجهة دولة بعينها، بقدر ما يستهدف تعزيز التوازن الإقليمي وحماية الدول الأعضاء ومواجهة التهديدات العابرة للحدود”، لافتاً إلى أن “وجود دول بثقل السعودية وتركيا وباكستان قد يفتح الباب أمام توسع هذا الإطار وانضمام دول أخرى إليه مستقبلاً”.
وفيما يتعلق بالعراق، يرى فيصل أن “موقعه الجغرافي وعلاقاته مع دول المنطقة يمنحانه فرصة للانخراط في ترتيبات الأمن الإقليمي، سواء عبر التعاون السياسي والدبلوماسي أو التنسيق الأمني وتبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب”، مؤكداً أن “أمن العراق لا يمكن فصله عن أمن محيطه، وأن أي تحولات في منظومة التحالفات الإقليمية ستنعكس بصورة مباشرة على حسابات بغداد وعلاقاتها مع دول الجوار”.
هجمات الفصائل
وجاء الإعلان عن التحالف بعد أيام من تعرض السعودية لهجمات اتهمت الرياض فصائل مسلحة عراقية بالوقوف وراءها، قبل أن ترد المملكة، بالاشتراك مع الولايات المتحدة، بضربات استهدفت مواقع تابعة لفصائل مسلحة داخل العراق، لتضيف هذه التطورات بُعداً أمنياً مباشراً إلى التحالف الجديد، وتفتح تساؤلات بشأن ما إذا كان الاتفاق يمثل رسالة ردع للقوى التي قد تستهدف أمن السعودية ومصالحها في المنطقة، وما إذا كانت تداعياته ستنعكس على العراق.
وتتبنى الفصائل المسلحة في العراق خطاباً مناهضاً لتركيا، يرتبط في جانب منه بالتنافس التركي الإيراني على النفوذ في المنطقة، فضلاً عن الوجود العسكري التركي في شمال العراق، ولا سيما في محافظة نينوى، وهو ما يجعل انضمام أنقرة إلى تحالف دفاعي مع السعودية وباكستان موضع حساسية لدى هذه المجموعات والقوى السياسية القريبة منها، خصوصاً مع اختلاف حسابات تركيا عن حسابات طهران وحلفائها في العراق.
رسالة إلى إيران
بدوره، يرى الباحث في الشأن الأمني والاستراتيجي علاء النشوع، خلال حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الأحد، أن التحالف الجديد يحمل رسالة سياسية وأمنية إلى إيران وحلفائها في المنطقة، مفادها أن مرحلة التعامل مع دول المنطقة باعتبارها ساحات مفتوحة للضغط أو استهداف المصالح قد تغيرت”، مبيناً أن “الرياض تمتلك من العلاقات والإمكانات السياسية والاقتصادية ما يسمح لها ببناء تحالفات قادرة على إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية”.
ويضيف، أن “دخول تركيا وباكستان إلى جانب السعودية يمنح التحالف ثقلاً مختلفاً، ليس فقط بسبب القدرات العسكرية التي تمتلكها الدول الثلاث، وإنما بسبب تنوع أدوات القوة بينها”، لافتاً إلى أن “أنقرة تمتلك قاعدة صناعات دفاعية متقدمة وحضوراً إقليمياً واسعاً، فيما تتمتع إسلام آباد بخبرة عسكرية وقدرات ردعية كبيرة، بينما تمتلك الرياض ثقلاً اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً يمكن توظيفه في بناء منظومة أمنية أكثر تأثيراً”.
ويشير إلى أن “طهران تدرك أن أي مواجهة واسعة مع السعودية لن تكون مواجهة ثنائية، ولذلك فإن التحالف الجديد قد يدفعها إلى إعادة حساباتها بشأن استخدام أدواتها في المنطقة، خصوصاً أن استمرار استهداف دول الخليج أو مصالحها قد يفتح الباب أمام اصطفافات إقليمية أوسع”.
ويحذر النشوع من أن “محاولة تحويل العراق إلى ساحة للمواجهة بين المحاور الإقليمية ستنعكس سلباً على موقع بغداد وعلاقاتها العربية والدولية”، مؤكداً أن “العراق معني أكثر من غيره بمنع انتقال الصراع إلى أراضيه، والحفاظ على علاقات متوازنة مع السعودية وتركيا وسائر دول المنطقة، لأن الدخول في صراع المحاور قد يفقده هامش الحركة الذي يحتاجه في هذه المرحلة”.
ماذا عن العراق؟
وفي العراق تبدو التداعيات أكثر حساسية، في ظل العلاقة المعقدة بين أطراف عراقية وأنقرة، ووجود قوات وقواعد تركية في شمال البلاد، إلى جانب الموقف المناهض لتركيا الذي تتبناه فصائل مسلحة وقوى سياسية قريبة منها، ما يجعل دخول أنقرة في تحالف دفاعي مع الرياض وإسلام آباد عاملاً جديداً في حسابات هذه القوى.
وتزامن ذلك مع تصاعد الدعوات داخل العراق إلى منع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية، خصوصاً بعد الهجمات التي طالت السعودية والرد عليها، فيما تواجه الحكومة تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على علاقاتها مع دول الجوار، وفي مقدمتها تركيا والسعودية، ومنع الفصائل المسلحة من جر العراق إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز قدرته على احتواء تداعياتها.
حسابات جديدة
إلى ذلك، يرى الخبير الأمني عبدالغني الغضبان، خلال حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الأحد، أن التحالف السعودي التركي الباكستاني سيضع الفصائل المسلحة أمام حسابات جديدة، خصوصاً أن أي استهداف للسعودية بعد تشكيل هذا الإطار قد لا يُنظر إليه باعتباره مواجهة منفردة مع الرياض، وإنما فعلاً قد يستدعي مواقف من بقية أطراف التحالف”، مبيناً أن “هذا الأمر قد يدفع الفصائل إلى مراجعة مواقفها وعدم الانجرار إلى خطوات تصعيدية جديدة”.
ويشير إلى أن “الخطر الأكبر لا يكمن في الفصائل المعروفة والمعلنة فقط، وإنما في مجاميع صغيرة متحركة لا تمتلك مقرات ثابتة، ويمكن أن تنفذ هجمات ثم تختفي”، مبيناً أن “بعض هذه المجاميع ظهرت مجدداً خلال الفترة الأخيرة، وتدور معلومات عن ارتباطها بجهات خارجية، وهو ما يجعل مهمة الأجهزة الأمنية والاستخبارية أكثر تعقيداً في رصدها ومنعها من تنفيذ عمليات قد تجر العراق إلى مواجهة مع دول أخرى”.
وبينما تضع هذه التطورات الفصائل أمام حسابات جديدة، يقلل خبراء من أهمية هذه التحالفات ما لم تتحول الاتفاقات السياسية إلى ترتيبات أمنية وعسكرية فعلية، مشيرين إلى أن المنطقة شهدت خلال السنوات الماضية توقيع تفاهمات واتفاقات مشابهة، لكنها لم تحقق بالضرورة النتائج المعلنة عنها، فيما يبقى الاختبار الحقيقي للتحالف الجديد مرتبطاً بمدى قدرته على ترجمة بنوده إلى آليات واضحة للتنسيق والدفاع المشترك، وليس الاكتفاء بالبيانات والتفاهمات السياسية.