انطلقت بالبرلمان التركي المناقشات الخاصة بمشروع قانون «تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي» الذي يحدد الإطار القانوني لعملية السلام المستندة إلى حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.
وفيما يشبه الماراثون، بدأت لجنة العدل بالبرلمان، الجمعة، مناقشة مشروع القانون الذي تقدم به «تحالف الشعب» (حزبا العدالة والتنمية الحاكم والحركة القومية) إلى البرلمان الأربعاء، وينتظر بدء مناقشته في الجلسات العامة للبرلمان الاثنين.
وتم فتح اجتماع اللجنة من أجل مناقشة مشروع القانون حتى صباح السبت، وإذا لم تنتهِ المناقشات إلى الموافقة على المشروع ستعقد اللجنة جلسة ثانية بعد الظهر.
وأعلن البرلمان تمديد عمله إلى الثلاثاء قبل دخول عطلته الصيفية التي تمتد حتى الأول من أكتوبر (تشرين الأول).
تأييد حزبي واسع
ويتضمن مشروع القانون، المؤلف من 12 مادة بما فيها المواد المتعلقة بشروط تنفيذه، تنظيم عودة مسلّحي حزب «العمال الكردستاني» والمدنيين من مواقع يتركزون فيها في جبل قنديل شمال العراق، ويُحدد أيضاً آليات التعامل مع أوضاعهم عبر النظام القضائي، وإعادة دمجهم في المجتمع وفق شروط محددة بعد التأكد من ترك أسلحتهم.
يخوض البرلمان التركي «ماراثون» تشريعياً لإقرار قانون خاص بعملية السلام مع الأكراد قبل دخول عطلته الصيفية (رويترز)
ويحوي مشروع القانون مواد متنوعة، تتعلق بتسليم الأسلحة والذخائر، مروراً بتأجيل التحقيقات والمحاكمات، وصولاً إلى تنفيذ الأحكام ومراقبة البرلمان للإجراءات، وينص على حفظ المواد المصادَرة من أعضاء حزب «العمال الكردستاني» الذين يُلقون أسلحتهم، والتي تُعتبر «أدلة»، في مكان آمن، أما المركبات والأموال والبضائع المصادَرة من أعضاء الحزب الذين يعودون إلى المجتمع، فتُسجل كإيرادات للخزينة العامة.
كما يتضمن مواد تتعلق بتأجيل العقوبات أو الملاحقات الأمنية لمسلحي الحزب لمدد تتراوح بين 5 و10 سنوات، مع عدم سريان التقادم على القضايا خلال فترة التأجيل، وإلغائه حال ارتكاب جريمة خلال هذه الفترة.
وحدد شروطاً لتنفيذ مواده، في مقدمتها التحقق والتأكد من جانب المؤسسات الأمنية التركية من انتهاء حزب «العمال الكردستاني – اتحاد المجتمعات الكردستانية (الكيان الجامع للتنظيمات الكردية)» فعلياً من الوجود، وتسليم جميع الأسلحة والذخائر، التي كانت تحت سيطرة الحزب، وأن تتم المصادقة على هذا التحقق والتأكد بقرار من «مجلس الأمن القومي» التركي، يُنشر في الجريدة الرسمية.
ويحظى مشروع القانون بتأييد واسع في البرلمان، رغم أن استطلاعات الرأي تظهر تشككاً في قدرته على تحقيق سلام دائم، فضلاً عن استمرار الحساسية تجاه عودة أعضاء سابقين في الحزب إلى تركيا.
محطة تاريخية
وبحث مجلس الأمن القومي التركي، في اجتماع الخميس برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، التقدم في «عملية السلام»، التي يطلق عليها «تحالف الشعب» الحاكم «عملية تركيا خالية من الإرهاب».
جانب من اجتماع مجلس الأمن القومي التركي برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان في أنقرة (الرئاسة التركية)
وذكر بيان أصدرته رئاسة دائرة الاتصال بالرئاسة التركية، عقب الاجتماع، أن المجلس «تلقى إحاطة بشأن الأنشطة المنفذة داخل البلاد وخارجها بعزم وتصميم ونجاح، لمواجهة جميع التهديدات والمخاطر التي تستهدف الوحدة الوطنية والتضامن وبقاء الدولة، وفي مقدمتها أنشطة «تنظيمات (حزب العمال الكردستاني – اتحاد مجتمعات كردستان – حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري – وحدات حماية الشعب الكردية) و(تنظيم فتح الله غولن)، و(داعش)، إلى جانب التطورات الدولية الأخيرة».
وأضاف البيان: «جرت مناقشة التقدم المحرز نحو تحقيق هدفَي تركيا خالية من الإرهاب ومنطقة خالية من الإرهاب، والتشاور بشأن المراحل التالية من الجهود التي تشكل محطة تاريخية في مسار ضمان أمن بلادنا ومنطقتنا واستقرارهما وازدهارهما».
مطالب كردية وتحذيرات قانونية
في الوقت ذاته، وصفت قيادة فرع حزب «العمال الكردستاني» في ألمانيا (جيفاكا آزاد) مشروع القانون بأنه «الخطوة الأولى نحو سلامٍ دائم»، قائلة إن الأحزاب والتنظيمات الكردية تنظر إليه بتفاؤل حذر. وطالبت بالإفراج عن زعيمه السجين في تركيا، عبد الله أوجلان، وضمان حريته الجسدية.
مسيرة للأكراد في ألمانيا للمطالبة بإطلاق سراح أوجلان (د.ب.أ)
بدوره، قال رمزي كارتال، الرئيس المشارك لتحالف «مؤتمر الشعب الكردستاني» (كونغرا-جيل)، الذي تعتبره تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بمنزلة الكيان البديل لحزب «العمال الكردستاني» منذ تأسيسه عام 2003، إن القانون يهدف إلى تهيئة الظروف لعودة المنفيين والموجودين في الجبال، وإن عودتهم لن تكون ممكنة إلا بتنسيق من أوجلان ودعوة منه.
وعدّ مراقبون ومحللون، منهم الكاتب يالتشين دوغان، أن حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد بالبرلمان التركي، يريد ديمقراطية على طريقته الخاصة؛ إذ يحاول أولاً ضمان خطة العفو عن أعضاء حزب «العمال الكردستاني»، ثم يرى ما سيحدث لاحقاً، بدليل تجاهله لخلو مشروع القانون من النص على إنهاء ممارسة عزل رؤساء البلديات المنتخبين وتعيين أوصياء بدلاً منهم.
حذر قانونيون أتراك من تحول السماح بعودة مسلحي «العمال الكردستاني» إلى «عفو عام» (أ.ب)
وعلق أستاذ القانون الجنائي البارز، عزت أوزغينتش، على مواد القانون التي تحدثت عن تأجيل العقوبات والملاحقات القانونية، وإطلاق سراح من لم يرتكبوا جرائم القتل العمد بغض النظر عن تورطهم في أنشطة دعم الإرهاب، قائلاً إن ذلك بمنزلة فتح الباب أمام إطلاق سراح الأفراد الذين يديرون أنشطة المنظمة الإرهابية (العمال الكردستاني) في جبل قنديل منذ فترة طويلة دون تحقيق ودون أي قيود على حقوقهم، عادّاً أن القانون سيتحول مع الوقت إلى «عفو عام» رغم تأكيد الحكومة والبرلمان على عكس ذلك.
