خبير يفند مقولة كفاية احتياطي العراق لتمويل الرواتب 10 أشهر: سينهار الدينار

بغداد – 964 أكد الخبير الاقتصادي منار العبيدي، اليوم الأربعاء، (12 آب 2026)، أن احتياطيات البنك المركزي العراقي لا يمكن اعتبارها أموالاً متاحة للحكومة لتمويل الرواتب أو سد عجز الموازنة، موضحاً أن ربطها بعدد أشهر الرواتب يمثل مقارنة حسابية مضللة اقتصادياً، لأن الاحتياطيات مخصصة أساساً لحماية استقرار الدينار وتمويل المدفوعات الخارجية. وأوضح أن انخفاض الصادرات النفطية يؤدي في الوقت نفسه إلى تراجع إيرادات الدولة وانخفاض تدفقات الدولار إلى البنك المركزي، ما يضغط على الاحتياطيات، لكنه لا يعني أن الحكومة تستطيع السحب منها مباشرة لتغطية نفقاتها. وأشار العبيدي إلى أن احتياطيات البنك المركزي تختلف مؤسسياً عن أموال وزارة المالية وعجز الموازنة، محذراً من أن استخدام الاحتياطيات لتمويل الإنفاق الجاري قد يوفر سيولة مؤقتة، لكنه يهدد قيمة الدينار والاستقرار الاقتصادي على المدى الأبعد. وكان عضو اللجنة المالية النيابية منصور البعيجي، قد أعلن يوم أمس الثلاثاء (11 آب 2026)، أن احتياطي العراق 109 ترليونات دينار تكفي رواتب لـ10 أشهر، إضافة إلى وجود سبائك الذهب والإيرادات، فيما أشارت إلى أن رواتب الموظفين مؤمنة بالكامل. منشور الخبير الاقتصادي منار العبيدي، على فيسبوك، تابعته شبكة 964: "يتكرر في النقاش الاقتصادي العام الخلط بين احتياطيات البنك المركزي الأجنبية وبين الأموال المتاحة لوزارة المالية، وكأن الاحتياطي يمثل حساب توفير حكومياً يمكن السحب منه عند انخفاض الإيرادات أو تعثر دفع الرواتب. وقد ظهر هذا الخلط أخيراً في مقولة إن احتياطيات البنك المركزي تكفي لتسديد رواتب الموظفين لعشرة أشهر. وحتى لو كانت هذه المقارنة صحيحة من الناحية الحسابية، من خلال قسمة قيمة الاحتياطيات على حجم الرواتب الشهرية، فإنها تبقى مقارنة مضللة اقتصادياً ومؤسسياً؛ لأنها تقارن بين رصيد من الأصول الأجنبية وتدفق من النفقات الحكومية، من دون أن يعني ذلك أن هذا الرصيد متاح فعلياً لوزارة المالية. فالاحتياطيات الأجنبية ليست اعتماداً مالياً ضمن الموازنة، ولا رصيداً حراً تحت تصرف الخزينة، وإنما أصول خارجية يحوزها البنك المركزي ويديرها لتحقيق أهداف السياسة النقدية، وفي مقدمتها المحافظة على استقرار الأسعار وسعر الصرف، وضمان القدرة على تمويل الاستيرادات والمدفوعات الخارجية، وتعزيز الثقة بالدينار والنظام المالي. ولهذا تقاس كفاية الاحتياطيات عادة بعدد الأشهر التي تستطيع خلالها تغطية الاستيرادات، ونسبتها إلى العملة المصدرة أو القاعدة النقدية والالتزامات الخارجية، وليس بعدد الأشهر التي يمكن خلالها دفع الرواتب. كما أن ارتفاع الاحتياطيات أو انخفاضها لا يرتبط بالميزان التجاري وحده، وإنما بصافي تدفقات العملة الأجنبية ضمن ميزان المدفوعات بأكمله. وتشمل هذه التدفقات إيرادات الصادرات النفطية، ومدفوعات استيراد السلع والخدمات، والتحويلات الخارجية، وخدمة الدين، والتدفقات المالية والاستثمارية، فضلاً عن التغيرات في قيمة الذهب والعملات والأوراق المالية الأجنبية. وفي الحالة العراقية، ترتفع الاحتياطيات عندما يشتري البنك المركزي العملة الأجنبية المتأتية من الصادرات النفطية من وزارة المالية، ويقيد مقابلها مبلغاً بالدينار في حساب الحكومة. أما عندما يبيع البنك المركزي الدولار إلى المصارف لتغطية الاستيرادات والمدفوعات الخارجية، فإن موجوداته الأجنبية تنخفض، وفي المقابل يسحب دنانير من سيولة الجهاز المصرفي. وبذلك فإن بيع البنك المركزي للدولار لا يؤدي إلى تكوين رصيد جديد لصالح وزارة المالية، بل يؤدي أساساً إلى امتصاص السيولة المحلية مقابل توفير العملة الأجنبية للسوق. أما العملية التي توفر الدينار للحكومة فهي تحويل إيراداتها النفطية الدولارية إلى البنك المركزي أو استخدام أرصدتها الحكومية المتراكمة. وقد تعرضت هذه الآلية خلال الأشهر الأخيرة إلى ضغط واضح؛ إذ تراجعت تدفقات العملة الأجنبية الناتجة عن انخفاض الصادرات النفطية، في الوقت الذي استمر فيه الطلب على الدولار لتغطية الاستيرادات والمدفوعات الخارجية. لذلك انخفض صافي الاحتياطيات، لا لمجرد وجود عجز تجاري، وإنما لأن تدفقات العملة الأجنبية الداخلة أصبحت أقل من التدفقات الخارجة. أما عجز الموازنة، فهو مفهوم مالي مختلف ينشأ عندما تتجاوز النفقات الحكومية الإيرادات العامة. وعند حدوثه، لا تكون الحكومة مضطرة تلقائياً إلى الاقتراض من البنك المركزي، بل يمكنها استخدام أرصدتها السابقة، أو إصدار حوالات وسندات حكومية تشتريها المصارف والجمهور، أو اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتأجيل بعض الالتزامات. كما أن المادة 26 من قانون البنك المركزي العراقي تحظر منح الحكومة ائتماناً مباشراً أو غير مباشر، مع السماح للبنك بشراء الأوراق المالية الحكومية في السوق الثانوية ضمن عمليات السوق المفتوحة. ويؤدي البنك المركزي، في هذا الإطار، دور الوكيل المالي الذي يدير مزادات حوالات وسندات وزارة المالية، وليس دور الجهة التي تمول العجز الحكومي مباشرة. ومن المهم أيضاً توضيح أن قدرة البنك المركزي على إصدار الدينار لا تعتمد على وجود «كتلة نقدية محلية» متاحة لديه، فهو الجهة المصدرة للعملة الوطنية، ولا يعمل مثل المصرف التجاري الذي يحتاج إلى ودائع قبل أن يمنح الائتمان. لكن قدرته على التوسع النقدي مقيدة بالقانون وبمخاطر التضخم وسعر الصرف وحجم الاحتياطيات والثقة بالسياسة النقدية. أما استخدام حوالات البنك المركزي وشهادات الإيداع وغيرها من الأدوات لسحب الأموال من المصارف، فهو يهدف إلى امتصاص السيولة وتقليص عرض النقد، ولا يعني تكوين صندوق من الدنانير يمكن تحويله إلى الحكومة. وعلى الرغم من اختلاف عجز الموازنة عن تراجع الاحتياطيات من الناحية المحاسبية والمؤسسية، فإنهما ليسا منفصلين اقتصادياً بصورة مطلقة. فتراجع الصادرات النفطية يؤدي في الوقت نفسه إلى انخفاض إيرادات الحكومة، ومن ثم اتساع العجز المالي، وإلى انخفاض تدفقات الدولار الداخلة إلى البنك المركزي، ومن ثم تعرض الاحتياطيات للانخفاض. كذلك فإن تمويل العجز الحكومي عن طريق التوسع النقدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يزيد كمية الدنانير المتداولة، وقد يتحول جزء منها إلى طلب إضافي على الدولار والاستيرادات، بما يفرض ضغوطاً لاحقة على الاحتياطيات وسعر الصرف ومستوى الأسعار. لذلك فإن القول إن الاحتياطيات تكفي لتسديد الرواتب لعدد معين من الأشهر قد يقدم مقارنة حسابية لحجمها، لكنه لا يعبر عن قدرة مالية حقيقية للحكومة، ولا يجعل تلك الاحتياطيات مورداً متاحاً للموازنة. فالاحتياطيات وُجدت لحماية قيمة الدينار والقوة الشرائية للرواتب، وليس لتتحول هي نفسها إلى رواتب. وإذا جرى استنزافها لتمويل الإنفاق الجاري، فقد تتمكن الدولة من دفع الرواتب اسمياً لفترة محدودة، لكنها ستخاطر في المقابل بإضعاف قيمتها الحقيقية وتهديد استقرار العملة والاقتصاد".